شارك في معظم معارك الملك عبدالعزيز وتولى إمارات بعض المناطق وتميز بالإخلاص والصدق والأمانة

فهد بن زعير.. المحنك والحكيم

الملك عبدالعزيز انتخب ابن زعير لفتح على الأحساء
إعداد- صلاح الزامل

ليست قوة الشخصية وحضورها دائماً بكثرة الكلام والأخذ بزمام الحديث أمام الناس وجمهورهم، ولكن تعرف قوة الشخصية بحسن التصرف في المواقف الحرجة والصعبة، وطرح الرأي والمشورة فيما إذا استشير أو أخذ رأيه، والقيادي المفاوض المحنك الحكيم فهد محمد بن زعير - رحمه الله - من هذا النوع النادر من الشخصيات التي هي قليلة الكلام لكن أفعاله مؤثرة وحاسمة وقوية ونافعة.

ولد في مدينة الرياض أواخر القرن الثالث عشر، وعاش صباه وطفولته وشبابه فيها، وتعلم في كتاتيب الرياض القرآن ومبادئ القراءة والعلوم الأولية للتوحيد والفقه كما هي منهج الكتاتيب في ذاك الزمن السالف، وعاصر وشاهد القيادي سقوط الدولة السعودية الثانية، وظل في الرياض مسقط رأسه طيلة هذه السنوات التي تلت السقوط، وكان الموعد للقيادي فهد بن زعير للمشاركة في التوحيد والتأسيس على يد الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - في العام 1321هـ، ويروي ابنه الشيخ محمد بن فهد بن زعير -رحمه الله - في لقائه بجريدة الجزيرة للعام 1407هـ بتاريخ 9 جمادى الأولى أن والده القيادي الشيخ فهد بن زعير قائل ما نصه - إجابة لسؤال وجهه إليه معد اللقاء -: شارك في جميع غزوات الملك عبدالعزيز ما عدا السبلة ودخول الرياض، ثم يروي ابنه محمد لماذا لم يشارك والده في دخول الرياض والسبلة قائلاً: في دخول الرياض كان صغيراً وفي عام السبلة كان أميراً للقنفذة، وعندما استأذن الملك عبدالعزيز في الحضور من القنفذة للمشاركة منعه وقال له: "وجودك على رأس العمل أهم"، ومحمد بن فهد بن زعير ممن لازم والده ملازمة تامة في المناطق التي تعيَّن فيها أميراً، ويعرف أخبار والده وقصصه وتاريخه، وقد نشر جزءاً من ذكرياته في جريدة الجزيرة عبر اللقاء في التاريخ الذي ذكرت، وكذلك روى أشياء أخرى عن والده فهد في كتاب "كنت مع عبدالعزيز" فهو رواية والده، وقد كتب الحفيدان سيرة فهد بن زعير سيرة جدهما وهما عبدالرحمن بن صالح بن فهد بن زعير ومحمد بن إبراهيم بن زعير، وكذلك بعض ما سمعته من الحفيد فهد بن محمد بن فهد بن زعير وبالأخص ما رواه عن دوره في جازان ذاك الدور الكبير.

حمل الراية

وكان القيادي المحنك فهد بن زعير قد عمل مع الأمير تركي بن عبدالعزيز النجل الأول للملك عبدالعزيز، وكان الأمير تركي قد عيَّنه والده في القصيم، وكما قلت إن القيادي فهد بن زعير شارك الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- المعارك والغزوات سوى السبلة وفتح الرياض، ومن أشهر المعارك التي شارك فيها روضة مهنا ومعكرة جراب ومعركة البكيرية ومعركة الرغامة ومعركة الطرفية، ويذكر ابنه محمد بن فهد بن زعير، أن والده كان حاملاً الراية عندما توجه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالعزيز لفتح المدينة، ويذكر المؤرخ الأمير سعود بن هذلول في كتابه تاريخ آل سعود، أن الملك عبدالعزيز انتخب من جيشه (600) شخص لفتح على الأحساء، وترك الجزء الكبير من جيشه في الرُقيقة، وذلك سنة 1331هـ، وكان القيادي فهد بن زعير من هؤلاء الـ(600) كما ذكر الحفيدان عن القيادي فهد في نبذتهما عن جدهما، ولا شك أن الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- حينما انتقى هذه الكوكبة من الرجال فإنما اختار صفوة الصفوة بما امتازوا به من الصفات والسجايا التي ميزتهم عن بقية الجيش، ففتح الأحساء ليس بالأمر الهيِّن، فهي منطقة تحتلها الدولة العثمانية منذ عام 1288هـ، وقد روى المؤرخ سعود بن هذلول في كتابه تاريخ آل سعود كيفية فتح الأحساء حيث قال: إن الملك عبدالعزيز لما جمع (600) رجل خطب فيهم وقال: "إننا هاجمون على الترك في الكوت، ومنتصرون عليهم إن شاء الله، فامشوا لهذا الغرض ولا تضجوا، أو إذا كلمكم أحد ونحن في الطريق فلا تجيبوه حتى لو أطلق عليكم نيران البنادق فلا تجيبوا بالمثل، أما إذا دخلتم الكوت، واستوليتم على الهفوف فحاربوا من يحاركم، وسالموا من يسالمكم" -انتهى ما ذُكر في كتاب تاريخ آل سعود الجزء الأول ص88-.

صبر وشجاعة

وشارك القيادي المحنك فهد بن زعير في معركة الجهراء.. إن هذه الشخصية التي نتحدث عنها شخصية وطنية ضحت بنفسها طيلة هذه السنوات منذ عام 1321هـ في معظم المعارك والغزوات في مناطق المملكة، وكتب الله لها النجاة من القتل، وقد قُتل كثير من أصحابه وزملائه الذين في جيش الملك عبدالعزيز، فهو قد عرَّض نفسه للهلاك، وما ذاك إلاّ لأنه أُعطي ومنح الصبر عند اللقاء والشجاعة إذا حمي الوطيس، ففرصة الحياة في المعارك والغزوات ليست نسبتها قوية، واحتمال القتل قوي، والشجاعة كما قيل في القلب، ورحم الله المتبني حينما نظم هذا البيت وهو على ألسنة البشر:

لولا المشقة ساد الناس كلهم

الجود يفقر والإقدام قتال

فالإقدام والشجاعة طريق الموت والهلاك، لذلك ليس كل الناس فيهم الشجاعة، وليس كل البشر كرماء؛ لأن ضريبة الكرم والعطاء إتلاف المال، وكلا الأمرين: حب الحياة وحب المال مقدس عن الناس، ويقول الشاعر الأحسائي سليم بن عبدالحي حول معنى بيت المتنبي وهو بيت رائع:

ما يحتضى بالمرجلة ساير الناس

والجود ما جا دون بابه حراريس

ولقد جاد القيادي فهد بن زعير بنفسه وحياته في خوض هذه المعارك طبعاً، ومعه غيره من الكثيرين من أهل هذه البلاد، فمنهم من قُتل في هذه المعارك، ومنهم من بقي حتى مات على فراشه، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.

قوة الرأي

ومع ما يتصف به القيادي فهد بن زعير من شجاعة، كذلك يتصف بقوة الرأي والتفكير، فهو يُفكِّر مرة ومرات قبل إصدار أي رأي أو خطة مصيرية، فهو ينظر إلى عواقب وخواتيم الأمور، وكيف تكون النتائج لو اتخذ هذا القرار أو هذا الرأي، ويوازن ما بين رأي ورأي، أيهما أنفع لهذه الواقعة، أو إذا وقعت وهذه هي الحكمة، ففهد بن زعير -رحمه الله- من الحكماء والعقلاء كما قرأت بعض المصادر التي اطلعت عليها، ومنها هذه النبذة التاريخية التي كتبها الحفيدان، واللقاء الذي أجرته الجزيرة مع ابنه الراوية محمد بن فهد بن زعير، وكتاب المخلاف السيماني لمؤرخ الجغرافي العقيلي -رحمه الله- في أحداث جازان وما قبل أحداث جازان، ونظراً لجودة رأيه وقدرته على الأخذ والرد في النقاش أرسله الملك عبدالعزيز مع وفد يضم مجموعة، وهم عبدالرحمن أبو ملحة وأخوه عبدالوهاب وعبدالله بن معمر وحمد العبدلي ومحمد بن عطيشان لأجل التفاوض مع مندوبي الإمام يحيى بغرض الوصول إلى حل مناسب يرضي الطرفين، وبعد مفاوضات طويلة انتهى الأمر بتوقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار، وذلك بتاريخ شعبان لعام 1350هـ، وقد نشرت هذه المعاهدة في جريدة أم القرى في الصفحة الأولى بتاريخ يوم الجمعة في 13 شوال 1350هـ.

وقعوا في الأسر

ومن الشواهد التي تبرهن على عقلية فهد بن زعير وحكمته، وهي عندما حصلت أحداث جازان كان قد أعد قلعة اللاسلكي التي تقع على رأس جبل بالمؤن والذخيرة، ورحّل أسره وبعض أغراضه إلى الحجاز، وقد روى هذه الحادثة محمد بن فهد محمد بن زعير في كتاب (كنت مع عبدالعزيز) بكثير من التفصيل، وكذلك في النبذة التي كتبها الحفيدان عبدالرحمن الزعير ومحمد الزعير، وملخص هذا الحدث الذي يدل على حكمة فهد بن زعير بعدما صمد هو ومن معه في القلعة، وكانوا ثلاثين رجلاً إلى أن نفدت الذخيرة والمؤنة، ثم وقعوا في الأسر بعد ذلك، وقيَّض الله عز وجل لهم شخصا اسمه محمد باصهي، وكان من تجار جيزان وأعيانها، وكان من الموالين للدولة السعودية، وحدد خطة للخروج من السجن، وأعلم القيادي فهد بن زعير بالخطة لمن معه، لكنهم رفضوا وفضَّلوا البقاء، ومع تكرار الإقناع من القيادي ابن زعير، وأن الخروج من الأسر ومحاولة النجاة أكرم وأفضل من المكوث في الأسر، وأن وجودهم في الأسر قد يعرضهم للقتل والإهانة، اقتنع البقية برأي وحكمة ابن زعير بخطة الخروج ونجحت الخطة، وخرجوا من السجن، وأنقذ الله عز وجل الثلاثين رجلاً بسبب سداد رأي ابن زعير، وكذلك صنيع محمد باصهي، الذي يذكر ويشكر -رحمهما الله تعالى-، ثم أتت القوات السعودية وقضت على هذه الأحداث.

وقد كان القيادي فهد بن زعير قد عرف جازان وأهلها، وخبر عاداتهم ورجالهم وأعيانهم، وكسب صداقة بعض هؤلاء الأعيان، نظراً لحسن خلقه، ورقي أسلوبه في التعامل، وسحر كلماته ومفرداته، فابن زعير يملك السحر الحلال، والبراعة في الحديث، وانتقاء الجمل المناسبة المؤثرة في الخطاب، ولهذا اكتسب صداقة الوجيه محمد باصهي وغيره من الأعيان، لكن باصهي هو أشهرهم، الذي أنقذ ثلاثين رجلا من الموت وبتأثير تلك الصداقة والعلاقة الوطيدة.

ماذا قالوا عنه؟

وقال عبدالله بن خميس عن ابن زعير: من أهل مدينة الرياض، وأخيراً استقر في الدرعية، وهو من رجال الملك عبدالعزيز، وممن حضر أكثر المعارك معه وصار أميراً لجلالته في القنفذة، ثم في الأفلاج، أما ابنه محمد فهو الآخر من رجال الإمارة والقيادة.

وقال المؤرخ عبدالعزيز الجذالين: كان فهد بن زعير مقرباً من الملك عبدالعزيز وأحد رجاله الذين يعتمد عليهم في المهمات، وقد أوكل إليه مهمات كثيرة في جهات عسير وجازان، وفي عام 1358هـ ولاّه الملك عبدالعزيز إمارة الأفلاج، فقام بالمهمة خير قيام، فقد كان -رحمه الله- حكيماً حازماً ذا دين وخلق وتواضع، وبقي في الأفلاج حتى عام 1377هـ حيث كانت له مكانة عند الملك سعود -رحمه الله-، وقد زار الملك سعود الأفلاج فاستقبله الأمير فهد بن زعير عام 1373هـ وأعيان الأفلاج.

وقال الباحث عبدالهادي بن مجلي عن القيادي فهد بن زعير: إنه أحد رجالات الملك عبدالعزيز في المرحلة التي سبقت تأسيس هذه البلاد.

وكان له أثناء إمارته في القنفذة الأولى والثانية أصدقاء في جهات محافظة العرضيات، فكان عندما يقوم بجولاته وزياراته على مراكز القنفذة، كان قبل أن يتوجه لمركز ثريبان يمر للسلام على أصدقائه في قراهم وبلداتهم تواضعاً منه ووفاءً لصداقته بهم.

وظائف تولاها

بما أن القيادي فهد بن زعير تمتع بالكفاءة الإدارية وحسن التصرف والحزم في كل أموره وحكمته التي كانت هي الغالبة على شخصيته وتصرفاته، فقد تولى إمارات عدة هي إمارة القنفذة، وذلك من سنة 1345هـ حتى سنة 1350هـ، وفي سنة 1350هـ تولى إمارة جازان حتى سنة 1352هـ، ثم أعيد إلى إمارة القنفذة مرة ثانية عام 1352هـ حتى عام 1354هـ، ثم بعد القنفذة عُيِّن أميراً على رنية من عام 1354هـ حتى عام 1358هـ، وأخيراً عُيِّن في الأفلاج من عام 1358هـ حتى أواخر عام 1376هـ وبعدها استقال من الإمارة واستقر في الدرعية.

وألقت عصاها واستقر بها النوى

كما قر عيناً بالإياب المسافر

وتوفي عام 1381هـ.

تضحية ونضال

حياة حافلة بالعطاء الوطني والتضحية والنضال والكفاح، حياة عملية عمرها (55) عاما بين نضال تحت راية الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- ومهمات أوكلت إليه وإمارات تعيَّن فيها، فكان في تلك المهمات مخلصاً وصادقاً وأميناً وذا عزيمة وإرادة قوية، فهو من أهل العزم إلى جانب مكارم أخلاقه وأعظمها السيرة الحسنة التي كانت في حياته، وأعقبها لذريته وأحفاده وأسرته، والسيرة الحسنة بعد الموت والرحيل من هذه الدنيا هي العمر الخالد، وهي العمر الحقيقي للإنسان؛ لأنها أبقى ذكراً لدى الناس، وأرسخ في الأذهان، وهي منقوشة لا تزول مع تعاقب الأجيال والأزمنة، وهنا نحن نكتب عنه بعد مرور (59) عاما على وفاته أكثر من نصف قرن، أسكنه الله رياض الجنة اللهم آمين.

الشكر والتقدير لأحفاد الجد عبدالرحمن بن صالح بن زعير وفهد بن عبدالله بن فهد ومحمد بن إبراهيم بن زعير وبندر بن صالح بن زعير على تفضلهم بتزويدي بالمعلومات والوثائق ورحابة صدورهم واحتفائهم -وفقهم الله-.

ولد في مدينة الرياض وتعلم في كتاتيبها
الملك عبدالله بن عبدالعزيز وعلى يمينه محمد بن فهد بن زعير
فهد بن زعير
محمد بن فهد بن زعير
ابن زعير تولى إمارة جازان عام 1350هــ












التعليقات