تشهد بلادنا حراكاً ديناميكيّاً لفرط حيويّته يصعب متابعته وملاحقته، فهذه أنظمة تُسنّ ومفاصل مهمة في الدولة ومؤسساتها الحكومية تشهد تبدّلاً وهيكلة وتجديداً وتطويراً غايته ومؤدّاه وهدفه أن نتجاوز العالم بالعمل والعلم والاقتصاد المتين يحفّها جميعاً أمنٌ وارف وثبات ورسوخ في البِنى والمؤسسات والهيئات..

لم يشهد مفهومان حالة من الفوضى والخلط والتشويه والأدلجة مثل الحرّية والمواطنة، إذ ينتاب أغلب الأطروحات والأفكار والسلوكيات السياسية التشويه والتزييف والاختلاق وفجاجة الآراء؛ فباتت تلك المفاهيم مرتعاً خصباً للأشرار والمدلّسين الذين يحاولون الاقتيات على مآسي الشعوب والمجتمعات بعد أن استحكمت فيهم أهواؤهم وأنواتهم الأنانية الضّيقة؛ فبات العالم يعيش وسْط فضاء يموج بفوضى عارمة واستغلال رخيص لمفاهيم مشوّهة يتم تسويقها وترويج الوهم معها عبر خطابات إعلامية ملفّقة وزائفة تسعى لزعزعة الكيانات السياسية والدّول بعد شيطنتها مستغلّين فيها حالة الأمّية السياسية وغياب الوعي السياسي لدى أغلبية الأفراد.

ومن يشاهد الفضائيات المأجورة التي يرتقي منصّاتها المُتبطّلين ممّن يحفلون بماضٍ مشوّه أو لفظتهم مؤسساتهم الإعلامية السابقة أو وجدت من ترتزق على أكتاف أحقادهم؛ ومن ثمّ باتت منصّاتهم المختلفة بمثابة مناشير مؤدلجة لها أجنداتها الواضحة التي لا تهدف لخير الشعوب ولا الأفراد؛ وإنما مخطّطات قذرة نتنة تنفث من خلالها أسقامها وأحقادها وشرورها مُسبَقة الدفع.

والمتتبّع للخطاب الإعلامي الزائف يلحظ بشكل مباشر حالة التوحّل والولوغ السافر القميء في شؤون الدول ومحاولة زعزعتها عبر استمالتها العاطفية بمصطلحات ومفاهيم فضفاضة يتساقطون تباعاً في بريق وهجها ووعودها التي لا تلبث أن تذوّبها شمس الواقع الحقيقة الساطعة.

وبالعودة لمفهوم الحرّية والمواطنة وما يدور في فلكها من معانٍ وظلال لا بد من الإشارة إلى اختلاف الكثير من الفلاسفة والمفكرين في التعاطي مع تلك المفاهيم والتفريق بينها بوعي يُشكّل غيابه نتيجة طبيعية لحالة الفوضى والتخبّط التي كبّدت الدول والمجتمعات ويلات غيابها أو عدم الوعي بأهميتها وعدم اعتسافها كما يحدث الآن ويتم الترويج له.

لذا نجد أنّ أغلب الفلاسفة يفرّقون بين دلالات تلك المفاهيم فهذا الفيلسوف والمفكّر الاقتصادي الذائع كارل ماركس يفرّق بشكل عميق بين حرّية الإنسان وحرّية المواطن فيشير أساس الحرّية وفق البند السادس من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن لسنة 1791 بأنّ الحرّيّة هي قدرة الإنسان على فعل ما لا يضرّ بالغير. ثم يؤكّد على أنّ الحرية هي الحق في فعل ما لا يضرّ بأي شخص آخر، كما أنّ الحدود التي يتحرّك في نطاقها كل فرد دون أن يلحق الأذى بالغير هي محدّدة من قبل القانون مثلما يفصل سور بين حقلين.

ويتفّق مع روح هذا الرأي ما اعتبره مونتسكيو في كتابه"روح القوانين" حول مفهوم الحرية وضوابطها إذ يعتبر أنّه "في الدولة، أي في المجتمع الذي تحكمه قوانين، تكمن الحرية فقط في أن يريد الناس فعل ما تجب إرادة فعله، وأن لا يجبرون على فعل ما لا تجب إرادة فعله ويؤكّد على توضيح مهم وهو أنّ ما تعنيه كلُّ من الاستقلالية والحرية. فالحرية هي الحق في فعل كل ما تسمح به القوانين، وإذا كان بإمكان مواطن أن يفعل ما تمنعه القوانين فسيحرم من الحرية، لأنّ الآخرين سيملكون أيضاً هذه القدرة على خرق القوانين".

ولعلّ شاعرنا العربي الكبير استقرأ مغبّة تلك الفوضى وقدّر بحساسيّة شعرية لافتة أن الفوضى وبال ويجب أن تكون مشروطة بعد الإضرار بالغير فما بالنا بالأوطان؟! يقول الشاعر:

لا يصلح الناس فوضى لا سُراةَ لهم

ولا سراة إذا جُهّالهم سادوا

اليوم - بفضل الله وتوفيقه - تعيش مملكتنا الفتية الطموحة حدّ الدهشة وبشكل يعانق سقف طموح كل مواطن شرّفه الله أن يكون من أبنائها وممّن ينعمون بخيراتها وظلال عدلها وأمنها؛ تشهد بلادنا حراكاً ديناميكيّاً لفرط حيويّته يصعب متابعته وملاحقته، فهذه أنظمة تُسنّ ومفاصل مهمة في الدولة ومؤسساتها الحكومية تشهد تبدّلاً وهيكلة وتجديداً وتطويراً غايته ومؤدّاه وهدفه أن نتجاوز العالم بالعمل والعلم والاقتصاد المتين يحفّها جميعاً أمنٌ وارف وثبات ورسوخ في البِنى والمؤسسات والهيئات وكل ما يضمن ديمومة النماء والتطوّر والعصرنة والوثوب لأنصع مستقبل. مستقبل تشيّده إرادة سياسية واعية حصيفة آلت على نفسها أن لا تلتفت للوراء ولا تكترث لهرطقات وثرثرة الحاسدين الذين شُغلوا بمملكتنا الناهضة والمنطلقة بسرعة المستحيل.