الوقف كغيره من العبادات له فِقهٌ وشروطٌ وآدابٌ لا بدّ للواقف من مراعاتها، والحرص على استكمالها؛ ليجري عمله على نهج السداد، وذلك مُدوَّنٌ في كتب الفقه، والأنظمة المتعلقة بالوقف في دولتنا المباركة المملكة العربية السعودية رُوعيَ فيها الوفاء بهذه المتطلبات، فعلى من أراد أن يقف وقفاً التَّقيُّد بها..

الإنسان يحتاج إلى العمل في هذه الحياة الدنيويةِ لتأمين حياتِه، وتوفير مُتَطَلَّبَاتِ ضرُّورياتِه وحاجيَّاتِه وكماليَّاتِه، فهو إما ساعٍ لكسب قُوتِه إن كان مُقتراً، وإما مُعتنٍ بإثراءِ ما بيده وحفظه إن كان ذا جِدَةٍ مُكثراً، والإسلام دين عزة وكرامة يحث على العمل، لا دين اتِّكالٍ ورهبانيةٍ وفشلٍ، وقد كان الصحابة في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبعده مشمّرين في أمور معاشهم، مع اجتهادهم في العمل لمعادهم، فمنهم التاجر، ومنهم المزارع، ومنهم الراعي، ومنهم المحترف، وإذا كان من الحكمة أن يعمل الإنسان لكسب ما يعيش به في الدنيا عزيزاً متعفِّفاً، لا بائساً ولا مُتكفِّفاً، فمن باب أولى أن يكون العمل لما يتنعَّمُ به في البرزخ أولى؛ فإن المرء في حياته الدنيوية يحظى بِفُرَصٍ متعددة لتحسين أوضاعه، وربما امتلك مالاً بلا كسبٍ إما بِهبةٍ أو إرثٍ أو غيرها، وقد يُرزق الصبر على البؤس وشظف العيش، ويستعفُّ عما في أيدي الناس، فيعيش بأدنى سببٍ يبذله ريثما يأتيه أجله، وينتقل عن هذه الدنيا إلى الآخرة التي يرجو فيها النعيم، أما في الحياة الأخرى فلا مجال للتصحيح، وليس للإنسان إلا ما سعى، ولا توجد حياة أخرى ينتقل منها إليها، ومن هنا كان من المهم أن يعتني المسلم من أعمال الخير بجميع أنواعها وأشكالها، ولما كان أكثر الأعمال ينقطع بموت الإنسان كان من الأهم أن يؤسِّس المرء في حياته ما أمكنه من الأعمال التي لا تنقطع؛ لكي يقطف ثمارَها اليانعةَ وهو في قبره، حين لا تكون لابن آدم حرية مدِّ اليد إلى تحصيل ما شاء من المنافع، بل يكون رهينةَ مرقده، منقطعاً عن أحبته، لا يؤنسه إلا عملٌ قدمه، ولا يُنوِّر له ظلمةَ حفرتِه إلا حسناته، والأعمال التي لا تنقطع بموت صاحبها مذكورة في حديث مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ".

ويتركز الحديث الآن على أول هذه الأعمال وهو الصدقة الجارية، والمراد بها الوقف، وإنما تُستدامُ هذه الصدقة حتى وُصِفت بالجارية؛ لأنها عبارة عن تسبيل المنفعةِ ووقف العين، بحيث تستمر حسنات انتفاع الناس بها، وتتوالى على الواقف في حياته وبعد موته، أما في الحياة فإن آثار الصدقة على المتصدق كثيرة منها: أن يُثاب عليها بتوفيقه إلى الأعمال الصالحة والكفّ عن السيئات، ومنها: أن يُبارك له بها في ماله، فممّا فسّر به العلماء قوله تعالى: «وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ» يُنَمِّي المالَ الذي أخرجت منه الصدقات، ويؤيده حديث «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ»، وأما في الآخرة التي يُراد الوقف لأجلها أساساً فإن الصدقة عموماً من الأعمال المنجية في القبر، وفي أول ليلة للمؤمن المتصدق في قبره يرى أكبر الأثر لصدقاته، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَكَانَ الصِّيَامُ عَنْ يَمِينِهِ وَكَانَتِ الزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ وَكَانَ فعل الخيرات - من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إِلَى النَّاسِ - عِنْدَ رِجْلَيْهِ فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ الصِّيَامُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَسَارِهِ فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ فَتَقُولُ فَعلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ.....».

هذا عن الصدقات مطلقاً، فإذا كانت الصدقة وقفاً جارياً كان المتصدق مُغتبطاً بدُرُورِ ريعها عليه في قبره، ومتنعِّماً باطّرادِ رفعة درجاته بتتابع وصول ثوابها إليه، فكلما صلّى مُصلٍّ في مسجد بناه، أو شَرِبَ عطشانُ من ماءٍ سبَّله، أو تعالج مريضٌ من ريعِ مالٍ وَقَفَه، ازدادت سعادته في قبره، واستجدَّ له من زيادة النعيم وقرة العين ما لم يكن له قبل.

والوقف كغيره من العبادات له فِقهٌ وشروطٌ وآدابٌ لا بدّ للواقف من مراعاتها، والحرص على استكمالها؛ ليجري عمله على نهج السداد، وذلك مُدوَّنٌ في كتب الفقه، والأنظمة المتعلقة بالوقف في دولتنا المباركة المملكة العربية السعودية رُوعيَ فيها الوفاء بهذه المتطلبات، فعلى من أراد أن يقف وقفاً التَّقيُّد بها، والحرص على استكمالها، ففيها ضمانٌ لاستمرار وقفه على الوجه المأمول.