قبل أكثر من ثلاثة عقود، جمعني لقاء صحفي نشر ضمن سلسلة «ضيف الجزيرة» وتضمنته حلقات كتابي «شهود هذا العصر» مع صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبدالعزيز، أذكر أنه لامس فيه العديد من الأمور والموضوعات الإنسانية جداً التي تجاوزت شخصيته كـ»أمير» أو «نجل الملك المؤسس» ليستحق بإنسانيته اللافتة من وقتها - وهو في الأربعينات من عمره - أن يكون أمير الفقراء، والمهموم بهم والباحث عنهم.. وخاصة الأطفال منهم.

كان كعادته دائماً، وعبر كل مناصبه الوطنية أو العربية والدولية، وأهمها كونه المبعوث الخاص لمنظمة اليونيسيف، ورئيس برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة، يفكر من أجل هؤلاء الأطفال، يسافر من أقصى شرق العالم إلى أقصى غربه كي يعرض مشكلتهم، يستحث الحكومات القادرة على بذل العطاء من أجل أطفال ينتظرون «لقمة» صغيرة تسكن جوعهم، يعمل للبحث عن بصيص من أمل لأجل صحة هؤلاء. ورغم ذلك لم تؤثر فيه الصعوبات أو بعض السلبيات، فقد كان يأخذها كمنطلق ودافع للبحث من جديد عن أهل الخير كي تتشابك أيديهم مع يده، كان يحمل على كاهله وفي قلبه همومهم التي يتحسسها وكأنه يشعر بألمهم المكبوت ودموعهم البريئة، ويحاول أن يحولها إلى محاور عمل وبناء من خلال برامج متنوعة وأهداف نبيلة، ربما يتمكن قليلاً من تخفيف آلامهم ومسح دموعهم.. للدرجة التي يمكنني فيها وبعد كل هذه السنوات، القول بأمانة شديدة: إن التفكير أتعبه من أجل البحث عن توفير رعاية عناية لقمة عيش، كي يحدو بهؤلاء الصغار الأمل في طرق باب جديد من أبواب الحياة السعيدة.. وضعوا تحت الكلمة الأخيرة ألف خط.

لفت انتباهي أنه لا يألو جهداً أو يدخر وسعاً في سبيل مطالبة مختلف القطاعات ورجال الأعمال للمساهمة في وضع عجلة التنمية من خلال برنامج اليونيسيف، يرى لو أن العالم أضرب عن المجاملات وأشكالها وحولها لمساعدة الفقراء من الأطفال لعمّ بذلك الخير.. ورغم انشغاله الدائم، وضيق وقته الشديد إلا أنه كان يحرص أشد الحرص على أن يشمل برنامجه اليومي مقابلة مع عدد من الأطفال المعوقين الذين شملهم بحبه وعطفه وحنانه، فهو أب للفقراء، يتألم لهم في الهند وسيرلانكا وكوستاريكا وباكستان والبرازيل، بمثل ما يتألم لحال أي طفل سعودي أو عربي.. ويتمنى لو أنه يملك كنوز الدنيا أو مفاتيح قارون كي يوزعها على أطفال دول العالم الثالث.

وشدني أكثر، تواضعه الجم، وابتعاده عن الألقاب، والاكتفاء بإنسانيته لتكون عنواناً جامعاً للخير الشامل، كما هو سمت أبناء المؤسس وشعب المؤسس.

بالأمس القريب، فقد الوطن، رجلاً من أنصع وخيرة رجالاته.. فقد الوطن وفقدنا معه طلال بن عبدالعزيز.. وإنسانية طلال بن عبدالعزيز.. وإخلاص طلال بن عبدالعزيز.

رحم الله فقيد الوطن، ولروحه الجنة، ولنا ولأطفال العالم كل العزاء.