من بعض عيوب تجربتنا التنموية - التي قلّ أن نشعر بها - هو انقطاع حبل التواصل بين التجربة والأخرى التي تسبقها في المجال الواحد من مجالات التنمية، ناهيك عما يتقاطع من تجارب بين المجالات التنموية المختلفة وبالتالي فقدان عنصر النضج للتجربة، وتوالي تطورها، ما بين مرحلة وأخرى، عبر التراكم المعرفي للحلول التي يتم تبني تطبيقها.

لا أقول ذلك ادعاءً، وإنما أراه واقعاً يلمس الكثير منا شواهده من حين لآخر، لعل من أحدثها في قطاع تنموي وخدمي يهم الجميع تطويره، كالإسكان مثلاً، هو تجربة تبني تقنيات البناء المختلفة التي تهدف إلى معالجة قضايا توفير الوحدات السكنية للراغبين في امتلاكها من المواطنين، وما يبدو من انقطاع لحبل التواصل في هذا الجانب بين الإدارات المتعاقبة المسؤولة عن قطاع الإسكان لدينا، وعدم وجود ما يوحي بارتباط كل إدارة جديدة مع من سبقتها في تجربة تبني تقنيات البناء، وتطوير أساليب وآليات تطبيقها.

لقد شهد الأسبوع الماضي كما يعلم الجميع، تغطية إعلامية مكثفة، لما ذكر عن بناء مسكن مسبق الصنع في زمن قياسي (يومان)، من خلال استخدام تقنية الوحدات القياسية المتكررة، التي يتم تجميعها وتركيبها في موقع إنشاء المسكن، وما أعطت تلك التغطية الإعلامية من انطباع أن هذه التقنية تسـتخدم ويجري تطبيقها لأول مرة، بينما الواقع هو خلاف ذلك، فتقنيات البناء للمساكن مسبقة الصنع، وبالذات المساكن المسبق إنتاج مكوناتها، التي يتم تجميع وتركيب تلك المكونات في موقع بناء تلك المساكن وكذلك المساكن المعيارية، التي تتألف من وحدات قياسية متكررة (غرف، حمامات، مطابخ، وخلافها من وحدات أخرى) يتم إنتاجها مسبقاً، ويجري جمع وتركيب تلك الوحدات القياسية في موقع إنشاء تلك المساكن، كما هو حال في النموذج الذي أبرز في وسائل الإعلام، سبق وأن تم تبني استخدامها وتطبيقها في بعض مشروعات الإسكان قبل أربعين عاماً، من قبل وزارة الأشغال العامة والإسكان حينها، وربما غيرها من الجهات الأخرى التي كان لديها مشروعات إسكان في ذلك الوقت.

محور الحديث هنا ليس عمن له السبق في تبني تقنية ذلك النوع من المساكن مسبقة الصنع، وإنما البحث عن التراكم المعرفي الناتج عن تطبيق هذه التقنية، وخلاصة ما تمخضت عنه أربعة عقود من تبني استخدام المساكن مسبقة الصنع في مشروعات الإسكان بالمملكة، ولماذا لم تتكرر ويتسع نطاق تلك التجربة وما هو تقييم السكان والقائمين على إدارة وتشـغيل وصيانة مثل هـذه المشـروعات بعد اســتخدام تلك التقنيـة طيلـة تـلك السنوات، إن الإجابة عن ذلك - التي أخشى عدم وجودها - هو أن تلك التقنية ليست ولن تكون البديل الوحيد التي سيعالج مشكلة توفير المساكن في المملكة مستقبلاً، فهذا النوع من المساكن مسبقة الصنع في دولة متقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية، التي قامت إحدى شركاتها بتصنيع عناصر المسكن النموذج الذي تم عرضه، لا تمثل سوى (15 %) من إجمالي الوحدات السكنية الموجودة بها، بالتالي ما يحتمل أن يكون مسكناً مسبق الصنع من بين كل عشرة مساكن ستبنى في المملكة مستقبلاً، لن يزيد في الواقع عن مسكن واحد فقط.