نحن دولة تخطط أن تعيش في المستقبل بكل قوة واستقرار، ولكن هذا المستقبل ليس من السهل العبور إليه دون ثمن، وهذا ما يتطلب منا جميعا أن نؤمن بأن دفع ثمن التحديث والتغيير ليس عملية سلبية، كما أننا نحتاج من العالم من حولنا أن يدركوا أن تغيراتنا السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية ليست سببية..

قبل أيام أصدر الملك سلمان بن عبدالعزيز، مجموعة القرارات الحيوية التي تأتي في إطار استراتيجية التحديث التي تعبرها السعودية منذ تولى خادم الحرمين الملك سلمان الحكم، ولا أعتقد أن مسار التحديث سيتوقف قريبا؛ لأنه مرتبط وبشكل كبير برؤية 2030، التي أقرتها الحكومة السعودية في أبريل عام 2016، وبما أن عملية التحديث ستستمر، فإن كثيرا من التحولات والتغييرات سيأتي تباعا خلال الفترة المقبلة. في السعودية، ومنذ زمن ليس قريبا، دائما ما تتعالى الأصوات المطالبة بالتحديث، على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي، إضافة إلى مطالبات مستمرة بالتغيير في الهياكل البيروقراطية والأنظمة.

مع بداية رؤية 2030، حدث ارتباط وثيق بين عملية التحديث وصدور القرارات الملكية التي عملت الحكومة السعودية على إدخالها حيز التنفيذ بشكل متدرج في بعض الأحيان، وبشكل مباشر في أحيان أخرى. السعوديون لم يفاجئهم ذلك الكم الهائل من التحديث الذي ترغب الرؤية السعودية في الوصول إليه خلال العقد المقبل، فهناك إحساس عميق لدى الشعب السعودي بأن هناك كثيرا من المسارات التاريخية لا بد من تغييرها، والدول تستجيب للتغير ليس من أجل التغيير فقط والإفادة بحدوث التغيير، ولكن من اجل الاستجابة لمتطلبات الدولة ككيان يتنفس ويعيش ويمارس مهماته الكبرى. وعندما أطلقت الرؤية تمكن المجتمع السعودي من إدراك أن الوطن في حاجة إلى إعادة تجديد مستمرة في مفاصلة جميعا ودون اسثناء.

التحديث في مجتمع مثل السعودية يتطلب الفهم الكامل لتاريخ هذا المجتمع، وكيف يمكن الإجابة عن أسئلة منهجية، مثل: لماذا التحديث؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ وماذا يمكن أن يقدم لنا هذا المشروع المتمثل في رؤية السعودية..؟ صحيح أن المراهنات والتحديات ليست سهلة ولكنها ممكنة، وهناك إيمان كبير بأن التحديث في السعودية ليس كله قابلا للتطلبق دفعة واحدة، وهناك إدراك بأن شيئا من ذلك المشروع التحديثي يمكن بل يجب تأجيله، ولكن القاعدة التي ستضمن نتيجة نهائية لمشروع الحداثة السعودي تؤكد أن التحديث في السعودية لا يمكن تجزئته.

التحديث الثقافي هو أكثر المسارات التي تثير الأسئلة أكثر من غيره، وهذا طبيعي في الإطار الإنساني بأكمله وليس لمجتمع محدد، فعندما يستعد المجتمع السعودي إلى ثقافة ذات خيارات متعددة من حيث المتطلبات، فإن ذلك سيعتبر نقلة نوعية كبرى لمجتمع كان معظم أفراده يرون أن مجتمعهم له خصوصية لا يمكن اختراقها من قبل الحداثة. نحن نعلم جميعا أن التحولات التي تجري على المستوى الثقافي بعضها قد يمر بتردد عبر الحناجر الراغبة في عدم الاعتراف في حاجة المجتمع إلى تحول كبير وتحديث في معطياته.

العالم يتغير ونحن يجب أن نتغير...!، ولكن هذا لا يعني أننا سننسلخ من كل شيء حولنا، هذه حقيقة خاطئة أعتقد أننا في حاجة فعلية إلى تصحيح كثير من المعايير التي كنا نسيء استخدامها على جميع المستويات، نحن دولة تخطط أن تعيش في المستقبل بكل قوة واستقرار، ولكن هذا المستقبل ليس من السهل العبور إليه دون ثمن، وهذا ما يتطلب منا جميعا أن نؤمن بأن دفع ثمن التحديث والتغيير ليس عملية سلبية، كما أننا نحتاج من العالم من حولنا أن يدركوا أن تغيراتنا السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية ليست سببية، وبمعنى دقيق إن التحولات التي تحدث في مجتمعنا ليست استجابة للأحداث، سواء التي تحدث في الداخل أو من حولنا؛ لأن التغيير والتحديث عمليتان تم إسنادهما إلى مشروع حيوي اسمه رؤية السعودية 2030.

المجتمع السعودي لا يمكنه استيعاب الركود أكثر مما يجب إذا ما نظرنا إلى مكانة السعودية عالميا في المجال السياسي والاقتصادي والإسلامي، وما يحدث في العالم من تحولات إيجابية لسنا ممنوعين عنها، كما أن مشروعاتنا ليست أنصاف مشروعات، ولا يمكن تجزئتها من حيث التطبيق، ولكن ذلك لا يعني بالتأكيد إلا أن نتعلم من الخطأ. السعودية وخلال السنوات المقبلة ستظل في عملية تحديث وتحول مهم، ليس من أجل مرحلة بعينها، ولكن استجابة لكيان سياسي وثقافي واجتماعي يتطلع إلى المستقبل، حيث الرهان على مكوناته السكانية، التي يشكل فيها صغار السن ومتوسطو العمر المتغير الأكبر في عمليات التحديث.