وداعاً فادي.. قبل أيام وبالصدفة وخلال اتصال هاتفي تلقيت خبر وفاة الكاتب الاقتصادي فادي العجاجي، اتصلت لأخبر الأخ خالد العويد مدير تحرير بـ "الرياض" وفجأة وجدت خالد في صمت.. أظن أن عينيه دمعت، تفهمت مشاعر خالد والسبب ببساطة أن فادي -بنظري- أفضل كاتب تقارير اقتصادية مرّ على الصحافة السعودية والحديث عن فادي لا يمكن سرده دون التعريج قليلاً على الصحافة الاقتصادية التي سأرويها كقارئ لا أكثر. كان اهتمام الجمهور بالصحافة الاقتصادية في تزايد نسبي منذ التسعينات الميلادية وتأسيس صحيفة الاقتصادية عام 93 برئاسة الأستاذ محمد التونسي الذي استطاع أن يخلق لها وزناً ولحقت تلك الخطوة عدد من الصحف منها "الرياض" بتأسيس ملحق يومي حتى جاءت طفرة الأسهم والتي بدأت عام 2003 وقفزت المتابعة بشكل كبير لكنها كانت مرتكزة على أسواق المال وتحليل السوق ذلك الوقت، وبعد تصحيح السوق عام 2006 وارتفاع الإنفاق الحكومي شهد الاقتصاد السعودي الكثير من التغيرات وبدأ اهتمام القراء بالتغير وظهر في تلك الفترة فادي ككاتب اقتصادي لا يتعامل إلا بلغة الأرقام وما وراء الأرقام لم يكن فادي كاتب يتأثر برأي الجمهور إطلاقاً بل بحقيقة الأرقام ومدى دقتها وما تعنيه عدة مؤشرات من تغير عبر الزمن واختلاف المكان والموارد، آخذاً في الاعتبار عدة معطيات ومتغيرات والأهم لم يكن يستخدم المعطيات الاقتصادية بشكل شعبوي أو لتقرب لذلك كانت مصداقيته محل احترام الكثيرين وبلغ حجم متابعيه على تويتر أكثر من مائة ألف في أقل من سنتين، فلم يكن ينجر خلف سخط أي متابع أو ينغر بمديح أي قارئ حتى جاء عام 2011 وبدأت شبكات التواصل تشهد حضوراً مكثفاً لتيارات مؤدلجة همها خلق السخط والانطباع السيئ لدى العامة و-كما قال لي- كان الكثير منهم عبر تويتر يحاول التواصل معه لاستمالته كان رد فادي الأخلاقي أن يتجاهلهم جميعاً بل كان ينشر تقارير تفند الكثير من الآراء التي يحاولون تسويقها من باب مصداقيته ومهنيته. قرأت قبل أيام أنه -رحمه الله- كان في شبابه يعمل في مهنة بسيطة (عامل في محطة وقود) وبعدها فهمت الكثير، بأنه عصامي بدأ من الصفر إلى أن دخل ساما وابتعث للخارج وتدرج في عدة مناصب، ونجد أن الحياة أكسبته معاني نبيلة وأخلاقيات عالية صقلت مهنيته، وكانت بعض تقاريره بكل ما فيها من توازن وعدم مبالغة وبلغة كتابية منضبطة وتخلو من أي تحيز تتحول إلى مادة إعلامية تلقى اهتمام الرأي العام.

رحم الله ذلك النبيل المستنير جاء عبر الإعلام ليضيف وينير في وقت كانت أبسط المفاهيم الاقتصادية غير مفهومة ورحل بصمت تاركاً ذكرى طيبة ومحبة واحتراماً بين كل من عرفه، رحمه الله رحمة واسعة.