معظم الأحداث التي يشهدها العالم لا تأتي على نحو مفاجئ. فالتطورات تتراكم وعندما تصل إلى مرحلة معينة من النضوج تخرج علينا في هيئة حدث. ولذلك فإن مراكز الأبحاث والاستشراف تبني توقعاتها على أساس قراءة متأنية لما يمكن أن يؤدي إليه تطور الأحداث وتراكمها.

وعلى هذا الأساس يمكن أن نتطلع إلى العام القادم 2019، باعتباره عاماً سوف يحمل في طياته الكثير من التطورات الاقتصادية. ففي الولايات المتحدة سوف يتعمق الخلاف داخل المؤسسة العميقة: بين تيار العولمة وتيار أميركا أولًا. وهذا الخلاف من المتوقع أن ينحسم لصالح التيار الثاني الذي يترأسه الرئيس الأميركي. فالولايات المتحدة، كما يبدو، في أمس الحاجة إلى التركيز على نفسها وإعادة بناء ذاتها التي أوهنتها العولمة -والتي تجلت بعد أزمة الرهن العقاري والأزمة الاقتصادية- المالية التي أعقبتها عام 2008.

فإذا صح هذا التوقع فإن الرئيس ترمب سوف يفوز في الانتخابات القادمة. وهذا سوف تترتب عليه أحداث كثيرة. فالتوتر الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين سوف يتصاعد. فالحرب التجارية التي سيطرت على أحداث هذا العام سوف تستمر في العام القادم وما بعده مدفوعة برغبة الولايات المتحدة في إعاقة تقدم الصين ومنعها من التقدم عليها والحلول محلها كأكبر اقتصاد في العالم. وربما تتطور هذه الحرب إلى حرب مالية تحرم الصين من السيولة والفوائض المالية التي تعتمد عليها في التوسع الاقتصادي ومنافسة الولايات خارج حدودها.

إن الصراع بين أكبر اقتصادين سوف يحدد الكثير من التطورات الاقتصادية في العالم. فإذا تمكنت الولايات المتحدة من إعاقة تقدم الصين، فإن هذا سوف يؤدي إلى انكفاء الأخيرة وتراجع نموها الاقتصادي؛ بل وربما اهتزاز الوضع في الداخل. وهذا التطور سوف يؤدي إلى تراجع أسعار مواد الخام ومن ضمنها النفط. وبالعكس، فإن عدم نجاح هذا السيناريو سوف يعني أن إعاقة تقدم الصين قد أصبح خارج السيطرة. وبالتالي فإن الصين سوف تنجز رؤيتها «حزام واحد وطريق واحد». فمشروع «ماريشال» الصيني إذا ما تحقق فإن نفوذ الصين خارج حدودها سوف يتعاظم. وهذا سيؤدي إلى تعزيز دور عملتها (اليوان) على حساب الدولار.

وبالتأكيد فإن الصراع الاقتصادي العالمي لن يقتصر على الفضاءين الأميركي والصيني وإنما سيشمل بقية الاقتصادات الكبرى من أجل السيطرة. وهذا كله سوف يؤثر على بقية الفضاءات الاقتصادية الأصغر ومن ضمنها الفضاء الاقتصادي الخليجي الذي يتطلع إلى تحقيق نقلة اقتصادية نوعية.. لذلك فإن توفر الأجواء العالمية المواتية سوف يساعدنا مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي على تحقيق التطلعات واحتلال مواقع متقدمة في النظام الاقتصادي العالمي القادم.