الزمن هو ذلك اللانهائي من مقدرات لا نستطيع حصرها، لكن الوقت هو ذلك الكامن في التفاصيل! فهل نضع أجندة كل مساء نحدد فيها بالدقائق جدول يومنا، ثم نراجعه حينما نخلد إلى الراحة بحرص شديد على المنجزات؟

لقد طالعت منذ أيام مقالاً عن ضبط الساعة الداخلية، حينما تقابل صديقان في نفس العمر حوالي الستين عاماً، لكن أحدهما يبدو وكأنه ابن الثلاثين سنة بينما انحنى ظهر الآخر من الهرم!

وأخذ المقال يتحدث عن العناية بالهندام والصحة وغير ذلك من طرائق الحياة وأهمها الإحساس الداخلي بالحيوية وبالشباب والذي يحفز الجسم على النشاط الحيوي لبيلوجية الجسم.

حقيقة كلام مهم وخاصة فيما يلعبه الدور النفسي بالإيحاء الداخلي بالشباب الدائم، ولكن هل انتبهنا إلى عوامل الوقت في النشاط الحيوي، وما يمثله من نجاحات أو إخفاقات؟

الإجابة عن هذا السؤال ستبدو محبطة للغاية! إذ إنني من خلال ملاحظاتي لتصرفات الواحد منا في جل الوطن العربي - بداية بربة البيت وانتهاء بكل مسؤول في موقعة ولأغلب شرائح المجتمع - وجدت صرف أغلى عمله في الوجود هباء، ومن دون مقابل! ولذلك نجد أن حجم الإنجاز متضائل للغاية، نسبة إلى ما نقذفه في سلة المهملات من هذه العملة النادرة باهظة الثمن الذي هو العمر!

ولا نبالغ إذا قلنا أغلى عملة في الوجود، وهو العمر المحسوب بعدد تلاحق الساعات والدقائق الثمينة، فإذا كانت سرعة السفينة تحسب بالعقدة، فإن عقدة العمر هي الوقت! فالعمر كله ننفقه أمام لحظات ضائعة دونما نعلم أننا نصرفه من صندوق مثقوب، وكأننا نهدر رحيقه على أرصفة لا نراها، أرصفة الساعة المعلقة في معاصمنا، وكأنها وضعت فقط لتذكر بموعد ما ليس إلا! ونحن لا نعلم أن هذه الآلة الغادرة تطوي سجل الحياة!

في هذا المقام أتذكر آخر مراحل سلفادور دالي حينما رسم لوحاته عن الزمن. فلو تأملناها لوجدناها - أي مجموعة الساعات - في حالة سيلان قميء ومشوه للغاية، ولم يقف أحدنا عند إحدى هذه اللوحات ليتأملها وماذا تعني بالرغم من مرور زمن كبير على رسمها وبالرغم من أنها تعرض في المتاحف العالمية وبالرغم من وجودها على صفحات الإنترنت!

من منا يحب ذلك اللص الذي اعتاد دخول منازلنا ليسرق أمتعتنا؟ ومن لا يخشى مواجهته؟ حقيقة نحن في وقتنا الحالي من يقطن داخل قفص الاتهام، لأننا نحن من يقذف بهذه العملة في صندوق اللامعنى، ونحن -مع اعتذاري لقرائي الكرام - كأننا بلهاء لا نعرف ما تقبض عليه أكفنا وكأننا نقبض على الماء ليتسرب من بين أناملنا!

لماذا نتفرد نحن العرب بهذه الخصلة المقيتة؟ ولماذا لا نعرف قيمة الوقت وحساباته الدقيقة؟ لكننا نسب ونشتم ونلوم ونتذمر وسلسلة من الاكتئابات التي لا يسلم الآخرون من نقدهم وإلقاء اللوم عليهم، مع أنهم شركاؤهم في هذا الفعل الناقص المرير.

سأستعير جملة "دفع الله السني" في فيلم الإرهاب والكباب مع الفنان عادل إمام، حينما يكرر قوله: في أوروبا والدول المتقدمة. نعم في أوروبا والدول المتقدمة من شرق الدنيا ومن غربها، لا وجود لهذا الاستهتار بالوقت، فالدقائق لديهم على نفس أهمية الساعات، بينما نحن لا نلقي بالاً للدقيقة ولا للساعة حتى يصل الأمر للأيام، ونحن في زمن لاهث لا ينتظر أحداً، فتجد أنك إذا أردت تحديد موعد قال لك الأسبوع المقبل، أو غداً أو بعد غد، ولا تجد كلمة الساعة أو الدقيقة وكأن الوقت هنا ساحة لملعب كرة القدم؛ وهذا الداء العضال يمتد كفيروس خطير إلى دوائرنا الحكومية ومؤسساتنا! فمفهوم الوظيفة لدى البعض منا له معنى مختلف تماماً عن سائر بلاد خلق الله! حيث إن المفهوم للعمل الوظيفي – كمصطلح – يعني أداء عمل معين لإنجاز مهمة محددة مع تحمل كل المسؤولية في إنجازه في وقت محدد.. أما مفهوم البعض عن الوظيفة فهو الذهاب إلى مكان العمل لتمضية وقت معلوم والانصراف عند انتهائه مع التأكيد على الحرص على موعد الراتب الشهري!

هذا هو مفهوم بعضنا - للأسف - عن العمل الوظيفي، ولذلك نجد كثيرا من الملل والتعب والملاحقة والأسئلة والمراجعة وقل ما تشاء، وهذا في أغلب وطننا العربي وكأن ذلك موروث جيني نسخ في نسيج العصب الحسي لدينا وبلا مبالغة!

وبطبيعة الحال الزمن هو ذلك اللانهائي من مقدرات لا نستطيع حصرها، لكن الوقت هو ذلك الكامن في التفاصيل! فهل نضع أجندة كل مساء نحدد فيها بالدقائق جدول يومنا، ثم نراجعه حينما نخلد إلى الراحة بحرص شديد على المنجزات؟

أعتقد أن أرخص شيء لدينا هو الوقت الذي يذهب حسرات يحمل معه زمناً لا يعود ويسرع بنا - هو دون غيره - إلى نهاية نتجاهلها عن عمد.

ولذلك وجب على كليات إدارة الأعمال أو على المعاهد والمدارس وكل علوم التنشئة وضع مادة (إدارة الوقت) من ضمن موادها الدراسية، لأنها هي أساس النجاح والتفوق والنهوض بالأمم.