لو عُدم التنافس بين الناس في معاملاتهم لبارت التجارات، ولضعفت الهمم عن ابتكار الخدمات، وفي هذا من التفريط ما لا يخفى، أما الإفراط في هذا المجال فهو الشائع، فكم عانى الناس من ويلات إفراط التجار في التنافس غير الموزون بمعاييره الصحيحة..

مما جُبِلَ عليه الناس على امتداد الأعصار، وتباين الأعراف وتباعد الأقطار، وجود فئات تتوق أنفسهم إلى التنافس في اكتساب المنافع الدينية والدنيوية، والتسابق إلى التحلي بالمزايا الظاهرة والمعنوية، والتنافس إذا كان في الدين فهو مأمورٌ به قال تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)، وقال تعالى: (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، وهذا التنافس محمدة ومنقبة يُثنى على صاحبها، قال تعالى: (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ)، أما التنافس في الدنيا فقد وردت أحاديث في النهي عنه من ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً»، ولكن فسّر العلماء هذا التنافس المنهي عنه بما يتضمن طلب الاستعلاء والتكبر، قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: (وأما قوله: ولا تنافسوا، فالمراد به التنافس في الدنيا، ومعناه طلب الظهور فيها على أصحابها، والتكبر عليهم، ومنافستهم في رياستهم، والبغي عليهم، وحسدهم على ما آتاهم الله منها، وأما التنافس، والحسد على الخير، وطرق البر فليس من هذا في شيء).

وانتقل من هذا التمهيد إلى تصنيف التنافس في الأمور الحيوية بين الإفراط والتفريط من خلال النقاط التالية:

أولاً: التنافس المالي، فمن الأصول الفقهية التي يستند إليها التنافس الصحيح في الماليات بيع المزايدة، ولو عُدم التنافس بين الناس في معاملاتهم لبارت التجارات، ولضعفت الهمم عن ابتكار الخدمات، وفي هذا من التفريط ما لا يخفى، أما الإفراط في هذا المجال فهو الشائع، فكم عانى الناس من ويلات إفراط التجار في التنافس غير الموزون بمعاييره الصحيحة، والآثار السلبية لذلك في عصرنا الحاضر لا تخطئها العين، ولا تحتاج إلى ضرب الأمثلة.

ثانياً: التنافس العلمي، فالعلم منه: العلم الشرعي الذي يُبتغى بطلبه وجهُ الله تعالى، وهذا يدخل في التنافس في أمور الدين السابق الذكر، وقد استجدّ التوظيف بالمؤهلات الشرعية، فمن التفريط أن يكون المنافس على الدرجات العلى في التخصصات الشرعية مُخلّاً بإخلاص النية في دراسته، وغفلته عن تغليب جانب التعبّد بتعلم دين الله تعالى، وجعله أساس طلبه، ويكون ترتب الوظيفة عليه ثانوياً، والإفراط في التنافس في العلوم الشرعية له أنماط كثيرة، منها التقليل من شأن الأقران، والاستنكاف من الاستفادة منهم، وغير ذلك، أما العلم الدنيوي الذي يحتاج إليه البشر لتسيير حياتهم من طب وهندسة ونحوها، فالتفريط في المنافسة في هذه العلوم خطأ فادحٌ حصل للمجتمعات المسلمة في العصور الأخير، وآثاره ماثلةٌ للعيان، وأما الإفراط في التنافس فيه فمن مظاهره التقليل من أهمية البحوث والنتائج العلمية التي يتوصل إليها الطرف المنافس، بل ومحاولة تقويضها وإثبات زيفها، والعزوف عن الاستفادة منها.

ثالثاً: التنافس الجاهي، ومنه: الوظيفة، ويكون التفريط فيه بالتقاعس عن التسابق إلى التطوير والابتكار، والتكاسل عن مزاحمة الأكفاء في معترك الإتقان، وهذا شللٌ مزمنٌ من شأنه أن ينخر هيكل أيّ مؤسسة استشرى فيها، ومن انطفأت بين يديه شعلةُ التنافس الشريف ضعفت همته، وخارت قوته، وكلما اتَّقدت في درب المرء انطلق في تحقيق أهدافه بكل طاقة، وأنتج في مجاله بكفاءة، أما الإفراط في التنافس الوظيفي، فهو الأكثر والأولى بإيجاد الحلول له، فترى موظفي المؤسسة الحكومية، أو الخاصة الواحدة يدخلون في عراك وظيفي تكون من ضحاياه تلك الدائرة، وتمتد تبعاته ليتضرر بها كل من له مصلحة تتعلق بتلك المؤسسة، سواء كانت المصلحة عامة أم خاصة، ومن مظاهر ذلك تتبع عثرات المنافس وإبرازها، ووأد إنجازاته وتجاهلها، ومحاولة التسلق على أكتاف الآخرين مهما كلّف ذلك من تصرفات غير لائقة، ودسائس ماكرة، فبدل أن يكون اجتماع هؤلاء المتنافسين باب خير وإنجاز ونجاح تحوّل إلى عقبة شر وتعطيل وإخفاق، والذي يجب أن لا يغيب عن بال كل من يتنافس في فضيلة أو منفعة أن التنافس إذا كان شريفاً أدّى ثماره الطيبة من الإنجاز، والنجاح، والإبداع، والتميز، وكان من أسباب الألفة، وجوالب المودة، وإذا كان وضيعاً أدى إلى التعطيل، والإخفاق، والفشل، وأشعل شرارة التنازع والاختلاف، والاختلاف يُدمِّرُ المجتمع كما تُدمِّرُ النار الهشيم، وقد نهانا الله تعالى عنه، فقال: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، ولما بعث النبي صلى الله عليه معاذاً وأبا موسى رضي الله تعالى عنهما إلى اليمن قال: (يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا).