يعرف التاريخ بأنه «علم دراسة الماضي بناءً على المصادر التاريخية المختلفة من مخلفات أثرية أو مصادر مكتوبة أو وثائق.. إلخ»، ويحرص المؤرخون، أو يدعون أنهم يحرصون، على صدق مصادرهم مما يقودهم إلى تقديم الحقائق التاريخية فقط. بينما يقصد بالأسطورة «قصة تقليدية ترتبط بالتاريخ القديم لشعب من الشعوب ولا تنسب لمؤلف بعينه، كما لا يمكن ضمان صحة ما ورد فيها من معلومات، أو ضمان أن أبطالها كانوا أشخاصاً حقيقيين وليسوا متخيلين»، وهذا يفسر لنا موقف المؤرخين من الأساطير. حيث يحاولون استبعادها من كتاباتهم التاريخية بحجة أنها لا ترقى إلى درجة الحقيقة التاريخية.

وتتنوع الأساطير بتنوع الموضوعات التي تتناولها بين أساطير تتعلق بالموت مثل أسطورة جلجامش، الذي يسافر للتعرف إلى لغز الموت والبحث عن الخلود، وأساطير تتعلق بالآلهة كالأساطير اليونانية التي تتحدث عن الخلق وعن مجمع الآلهة.. إلخ، وأساطير لها علاقة بالحروب والأبطال كأسطورة آخيل ابن بيليوس ملك ميرميدون، وثيتس الحورية. حيث تذكر الأسطورة أن أمه قد قامت بغمره في مياه نهر ستيكس من أجل الخلود، إلا أنها وحين غمرته كانت ممسكة بكعبه من الوتر، فكان هذا المكان الوحيد في جسمه الذي لم يغمره الماء، وأصبح هذا المكان نقطة ضعفه التي سيقتل من خلالها لاحقاً.

والحقيقة أن هذا العداء من قبل المؤرخين للأسطورة يعتبر من الأخطاء المنهجية في تناول التجربة الإنسانية لا سيما ما يتعلق بالفترات القديمة جداً والتي تفتقر إلى وجود المصادر التاريخية التي يمكن الاعتماد عليها في الكتابة التاريخية. حيث ستكون الأسطورة هنا مصدراً مهماً من مصادر طبيعة الحياة اليومية، والمستوى الفكري، بل وطبيعة الفكر الديني للمجتمعات التي عاشت في هذه الفترات. حيث كانت الأسطورة في هذه المرحلة القراءة الأولى للتاريخ الإنساني قبل أن يتحول التاريخ إلى علم يوثق الأحداث والشخصيات ويحلل الدوافع والأسباب ويستخلص العبر والنتائج.

وبذلك تشكل الأسطورة نظاماً فكرياً متكاملاً وجد فيه الإنسان طريقة لكشف، أو لنقل تخيل كشف، ما يشكل عليه من أمور فرضها عليه محيطه الجغرافي والإنساني. ونظراً لأن الأسطورة كانت لدى تلك المجتمعات تعبر عن الحقيقة المطلقة فقد اختلطت بالتدوين التاريخي في بدايته وهو ما نراه مثلاً في الكتابات التاريخية المبكرة لدى اليونان على سبيل المثال. وهذا يعني صعوبة فصل التاريخ عن الأسطورة في هذه الكتابات.