ما رآه الناس على الشاشات من احتجاجات ما أصبح يعرف بأصحاب "السترات الصفراء" في بعض مدن فرنسا لم يكن ردة فعل عفوية على اعتزام الحكومة الفرنسية رفع أسعار البنزين في ميزانية 2019 فقط. هذه الحركة الاحتجاجية التي رافقتها مظاهر عنف كانت أيضا ثمرة احتقان اجتماعي واقتصادي لم يأت بين يوم وليلة. نعم ربما كانت الشرارة الأكبر بسبب نية زيادة ضريبة البيئة على البنزين، ولكن الاحتجاجات التي أثارت أكبر اضطرابات لم تشهدها فرنسا منذ عقود كانت أيضا بسبب تراكمات تدني مستويات المعيشة لشريحة واسعة من الناس.

ولعل هذا يفسر محاولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تهدئة الوضع، حينما طرحت حكومته حزمة من التدابير بقيمة 10 مليارات يورو لمصلحة المتقاعدين والعمال الذين يتلقون أجورا ضعيفة. والضريبة الخضراء (green tax) لها معناها البيئي الجاذب؛ كون هدفها التقليل من استخدامات المنتجات أو الخدمات التي تُصنّف بأنها غير صديقة للبيئة، ولكنها أيضا تعتبر وسيلة بين وسائل تستخدمها حكومات أوروبية عديدة للحصول على مزيد من الأموال لتمويل برامجها.

ومما يستحق التأمل هنا أن حركة احتجاجات ذوي "السترات الصفراء" لا تتبع نقابة، ولا يحركها اتحاد معين أو حزب سياسي. كما أن هذه الحركة لم تكتسب قوتها من العنف الذي ظهر هنا وهناك، وإنما أيضا بما حصلت عليه من تعاطف شعبي فرنسي وربما عالمي؛ بوصفها احتجاج الفقراء على سوء الأحوال.

والأغرب أيضا أن الشرطة الفرنسية التي واجهت هذه الحركة الاحتجاجية "الصفراء" عادت – أي الشرطة - ونظّمت إضرابات واحتجاجات أطلقت عليها وسائل الإعلام احتجاجات ذوي السترات "الزرقاء"، لينتهي الأمر بتسوية سريعة منحت الحكومة الفرنسية بموجبها عناصر الشرطة زيادة في الرواتب تتراوح بين 120 و150 يورو شهريا.

الخلاصة أن فرنسا اليوم مثلها مثل بلدان أوروبية أخرى لم تعد بلدانا منتجة، تستقطب العمال، وتمنحهم فرص عمل مرضية كما كانت في السابق، ما يعيد السؤال عن مآلات العولمة والرأسمالية إذا توحّشت. ما حصل هو بعض ما يمكن توقعه بعد أن أصبحت مراكز العمل في مدن أوروبا الأشهر محافظ استثمارات عالمية ذكية، أبعدت العامل الأوروبي البسيط، ومعه قسم مهم من الطبقة المتوسطة إلى هوامش المدن والحياة، ناهيك عن عقابيل غزو المهاجرين والسياح لكل أيقوناتها الوطنية.

  • قال ومضى:

صاحب المعروف حقا هو الضعيف أمام القادر وهو وحده صاحب اليد العليا..