أرشدنا التنزيل في أكثر القضايا وقوعًا إلى إدخال الطرف الثالث، لكن لم يكن الإرشاد خاليًا من ذكر صفة ذلك الطرف، بل أشار إلى قدرته على استيعاب المشكلة وإيجاد حلولها «بالحكمة»..

في كثير من المواقف الاجتماعية نحتاج للطرف الثالث، ومن حسن تدبير الله بالعبد أن يكون ذلك الطرف مريدًا للخير، وليس ما نجده في كثير ممن ننتخيهم كطرف ثالث من حب إظهار نفسه بصورة المصلح الذي يقال فيه حكيم القوم، أو ما لها إلا فلان، وهو في الحقيقة قد يكون الطرف الخفي في إذكاء المشكلة ليكون فيها طرفًا ثالثًا، وهو عين ما تفعله أطراف كبرى في سياستها في إدارة الملفات الدولية والنزاعات بين الدول، غير أني لا أريد أن يكون المقال سياسيًا بقدر ما يكون اجتماعيًا يعالج مشكلة التدخل بين الآخرين بنية الإفساد بقصد أو بغير قصد، فإن كثيرًا من المصلحين بين الناس في القضايا الخاصة أو الجماعية يضرون بغير قصد على منوال قول الحكيم:

رام نفعًا فضرّ من غير قصدٍ

ومن البرّ ما يكون عقوقا

وقد أرشدنا التنزيل في أكثر القضايا وقوعًا إلى إدخال الطرف الثالث، لكن لم يكن الإرشاد خاليًا من ذكر صفة ذلك الطرف، بل أشار إلى قدرته على استيعاب المشكلة وإيجاد حلولها "بالحكمة" فسماه حكمًا (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها) فيكون ذلك الطرف قد غلب على نفسيته حب الإصلاح بين الآخرين ويسره أن يرى ابتسامات المصالحة تعلو الجميع دون أن يحز في نفسه إن لم يذكر أو لم ينسب له ذلك الصلح، وقد يكون هو الطرف الذي تعقدت به المشكلة وطالت حبالها، خاصّة إذا ما كان له من إذكائها بعض المصالح المادية التي لا يتريث المتخاصمون في بذلها حبّا للتغلب والعلو على الخصوم، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم سيد الحكماء وقدوة المصلحين يقف بين المتخاصمين مذكرًا لهم بخطر التغلب على الخصم بالباطل «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً، بقوله: فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها» وهذا مسلك دقيق يغفل عنه كثير من المصلحين، وهو أن لا يكون أكبر هم المصلح هو أن يقال "أصلح بينهما" بقدر ما يكون هذا الصلح مشتملاً على العدل، أو إذا كان فيه شيء من تنازل عن حق فيكون بمحض المعرفة والإرادة، وليس استغلالاً لجهالة الخصم حقه يقوم الطرف الثالث بإيجاد الحلول التي يقبلها الخصوم نتيجة جهالتهم بحقوقهم الشرعية في القضية، ولا يقتصر ذلك على الإصلاحات والقضايا الاجتماعية، بل إن هناك طرفًا ثالثًا من جنس آخر، يتوقف على دخوله وظهوره فضيحة هذا، أو حدٍّ في ظهر هذا أو يكون سببًا لاستدامة عاصٍ على معصيته، ومساعدًا لتجرؤ المستتر على المجاهرة، وإلى هؤلاء الأطراف جاء التوجيه والإرشاد النبوي «من ستر مسلمًا ستره الله» فحين يكشف لك الشيطان عن زلة لمسلم أو معصية هو مستخفٍ فتكون أنت الطرف الثالث الوحيد الذي يعلم بها، فمن سوء حظ ذلك المستتر أن ساقتك الأقدار إلى سواحه، وأيضًا هناك طرف ثالث يحتاج لرأيه عند التباس الأمور فمن حسن الحظ أن توفق لمشاور يشير عليك بالحق والصدق وإن أغضبك، وليس مجاملةً لمكانتك أو تقربًا لحبك أو طمعًا في مالك، ومن ذلك قول ملكة سبأ (يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون) فكانت المشورة منهم لا تتوافق مع الواقع (نحن أولوا قوة) يعنون لا تسلمي ولا تستسلمي ونحن لها، فكم هي القضايا التي وقعت فيها مع أهلك أو جارك أو زميلك فانتدب إليك من يقول لك "لا تتنازل" وهو الذي عليه "الاعتذار" أو "لك الحق عليه" ومن هذا الكلام الذي لا يقوله إلا طرف مستفيد من دوام تقاطعكما وتهاجركما.

ولعل الطرف الثالث في زماننا هذا قد أصبح طرفاً يذكي الفتنة، ويوقد فتيل التحريش، ويوغر الصدور، بالنميمة، والغيبة، وغير ذلك، فيكون هذا الطرف ممن تكون مصلحته في الإفساد لا في الإصلاح، وفي الفضيحة لا في الستر، وما أكثرهم في زماننا هذا، قد يستترون، ولكن الأيام كفيلة بإخراج ما يحذرون. هذا، والله من وراء القصد.