يُروى أن رئيساً أميركياً زار اليابان وأقيمت له حفلة رسمية، حيث كان يلقي كلمة ويتوقف كل فترة ليتمكن المترجم الياباني من نقل كلامه إلى اللغة اليابانية. وسرد الرئيس الأميركي موقفاً طريفاً بالإنجليزية.. وهنا وقع المترجم في مأزق لأنه عرف أنه لو ترجم القصة إلى اليابانية حرفياً ولو بتصرف فلن يفهم الحضور الياباني مما سيجعل الجو مكهرباً.. وما هي إلا لحظات ويمسك المترجم المايكرفون ليقول بكل ثقة للحضور: "فخامة الرئيس ألقى نكتة.. اضحكوا من فضلكم!"، وضجت القاعة بضحكات وقهقهات الحضور مما ساهم في إنجاح تلك الأمسية.. ولعل هذا الموقف نموذج حي، كيف أن اللغات أعمق وأكثر تعقيداً من مجرد كلمات وأحرف يتم صفها.. وتحاول مقالة اليوم الإجابة على السؤال: هل تتغير شخصية الإنسان بحسب اللغة التي يتحدث بها؟

لا شك أن كل لغة وعاء لثقافات وعادات وطريقة تفكير قد تختلف بشكل كبير من لغة لأخرى.. فالأمر يتجاوز الكلمات ليصل إلى طريقة التفكير ومعرفة قراءة الانفعالات ولغة الجسد. ولذلك يقال إن الجاسوس البريطاني المعروف بلورنس العرب لم يكن أكثر الجواسيس فصاحة في العربية لكنه كان أكثرهم قدرة على تفهم العقلية العربية والتعامل معها وإقناعها.

ولا تستغرب بناء على ذلك كل هذه الجهود التي تبذلها الدول المختلفة لنشر لغاتها وثقافاتها كما فعل الفرنسيون في الدول التي استعمروها وكما تفعل الصين أخيراً من نشر مراكز تعليم اللغة الصينية عالمياً وكما يصنع الكوريون وغيرهم في دعم مسلسلاتهم التي تعتبر أدوات قوة ناعمة ذكية عبر نشر اللغات. واستشهد هنا بحديثي مع الدكتورة اليابانية ساكوراي كيكو التي تخصصت في الدراسات الإسلامية والتي تعلمتها في جامعات إيران باللغة الفارسية بمنحة دراسية من نظام طهران. تذكر أنهم علموها في إيران أنه لا يمكن أن تفهم روح الثورة المزعومة وطريقة تفكيرها ما لم تتعلم الإسلام باللغة الفارسية.. وبعد سنوات وحين تولت منصب عميد كلية الدراسات الليبرالية في جامعة واسيدا أصرت على التعاون مع الجامعات السعودية لتدريس اللغة العربية والثقافة الإسلامية في الجامعة وهي تقول: "لن أسمح بتكرار نفس الخطأ مع طلابي!".

ومن الأمور الطريفة هنا أن لغات ومنها اليابانية لا تفرق بين اللونين الأخضر والأزرق. بينما لغة قوم زوني من السكان الأصليين في أميركا لا تفرق لغتهم بين اللونين الأصفر والبرتقالي. أما في بعض لغات السكان الأصليين في إستراليا لا يستخدمون مصطلحات اليمين واليسار بل اتجاهات البوصلة. بكلمة أخرى بدل أن تقول يدي اليمنى ويدي اليسرى ستقول يدي الشرقية ويدي الغربية، ما يستدعي أن تكون متنبها للاتجاهات على الخريطة طوال الوقت.

وأختم بكلمات جدي - رحمه الله - لي في طفولتي: "عليك بتعلم اللغات، فكلما تعلمت لغة جديدة توسعت مداركك وأصبحت قادراً على التفكير بزاوية مختلفة. لدي صديق يتحدث سبع لغات فهو كمن يمتلك سبعة أدمغة في رأسه".