من حضر مؤتمر "ملتقى شراكة" الذي نظمته شركة المياه الوطنية، يدرك تماماً مدى العمل الكبير الذي تتبناه رؤية 2030 لأجل التأمين المائي للبلاد والعباد، والاستراتيجيات والمشروعات الضخمة التي ستُعنى بها المملكة من خلال وزارة المياه وشركة المياه الوطنية في هذا الشأن ولكل منطقة على حدة.

أيضاً من كان موجوداً واطلع على الأرقام ومدى الاستهلاك والعبث بالماء يؤمن تماماً بالبيت الشهير للمتنبي الذي قال فيه:

نحن بنو الموتى فما بالنا

نعاف ما لا بد من شربه؟

لاسيما وأن الأرقام التي تم استعراضها خلال الورشة تنبئ أننا مفرطون حد العبث خاصة إذا ما علمنا أن زراعة البرسيم في المملكة تستهلك نحو 60 % من الاستهلاك الكامل للمياه مقابل 15 % للاستهلاك الآدمي ومن مجموع 80 % للزراعة جميعاً بما فيها البرسيم و5 % للصناعة وفقاً لتقارير 2016، ولا عجب أن يكون المتنبي أكثر حرصاً منّا، فنحن في أزمة مائية ونفضل البرسيم على مستقبل أجيالنا المائي، وكأننا لا نعلم أنه الأهم والأثمن على سطح الكرة الأرضية، لذا لم نستغرب حين أشار المفكرون والمنظرون على أن الحرب العالمية القادمة ستكون على المياه ومن أجلها.

نؤكد على ذلك ونحن نعلم أن منع زراعة البرسيم قائم، والحد من العبث المائي مستمر بعدما فرطّنا عقوداً كثيرة بذلك كما كان وضعنا مع القمح.. لكن حق لنا أن نتعاون كي لا نعاني من أزمة مائية، خاصة أن الأرقام والتوثيقات تؤكد أن منطقتنا الأفقر مائياً، ولا نأتي بذلك من عندنا، فوفقاً لأرقام البنك الدولي فإن الأكثر ثراء في العالم من حيث نصيب الفرد من الموارد المائية العذبة المتجددة هي أميركا اللاتينية.. أما ذيل القائمة فهو الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

هنا ووسط هذا القلق لا أنكر أن ما لمسناه خلال الورشة من مستقبل كبير لتحسين إدارة المياه في بلادنا والعمل على توجيهها التوجيه السليم في ظل إدارة سعودية متخصصة كاملة لبناء المشروعات والعمل على كل ما من شأنه التوعية وفرض التوفير، لا سيما وأننا نُفرغ المخزون على ما نستطيع استيراده، كما كان القمح قبل عقود وسط عبث تغيب فيها تكنولوجيا التوفير عن المزارعين ودون رقابة حقيقية لما يتم في المزارع.

الأهمية الكبرى للمياه مازالت دون الوعي المطلوب لدى الشارع السعودي، وقد يكون السبب في ذلك جعل الأمر الإرشادي والتوعوي خاصاً بوزارة المياه وشركة المياه فقط، مع أن المهمة وطنية وتمس الجميع، بكشف المزارعين المتلاعبين وفرض وسائل التوفير، والأهم أن تنطلق حملات من كل الاتجاهات وصوب الجميع، من أن تكون ضمن مناهج التعليم ورسائل وسائل الإعلام وخطط البلديات ومديريات الزراعة، وحتى المنابر الدينية وخاصة فيما يتعلق بخطبة الجمعة بأن تتطرق لهذا الأمر بكثير من الشرح والتنوير لأهميته.