لماذا هذا الزيف الإعلامي العالمي بعدما انتشر الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي في عالم تسوده العولمة - وهم من اخترعوها - ولماذا تخرج الدول عن محيطها لتتدخل في محيط الآخرين وهي تتهاوى من الداخل وتتآكل؟

إن ما يجتاح العالم - في يومنا هذا - لم نعهده ولم يعهده التاريخ من قبل! فهذه الفوضي وهذه التقلبات الشعبية لم تأتِ عن طريق الصدفة أو الخلل أو ما إلى ذلك، وإنما لأن الشعوب استشعرت ذلك الخلل في عقل العالم كله، والذي أصبح الإنسان أحد قطبيه، كما استشعرت هذه الشعوب تلك الغيبة العقلية لدى ما يسميه علم الاجتماع بـ (سلطة المركز). فالقاعدة العامة عندما تحمل في طياتها عدداً من (القوة الصاعدة) والمتجهة نحو المركز عادة ما تحدث هذه الهزات التي رأيناها في السترات الصفراء على سبيل المثال، والتي كادت أن تهدد أوروبا بأكملها وهي دول ترفع شعارات الإنسانية والحقوقية والديمقراطية وغير ذلك من الشعارات التي اتضح لنا أنها دعاية مقيتة، الهدف منها التدخل في عميق الشرق الأوسط ليس إلا!

وعلى أي حال فلا تتحرك القوة الصاعدة إلا عندما تكون هناك تصدعات وثغرات تمهد الطريق لها؛ ولعلنا نستوضح كثيراً من هذا البريق الزائف الذي اكتشفته تلك القوى كنقطة ضعف مقيتة تجعلها تتحرك للصعود، ولا يتسع المقال لذكرها وإنما سنتطرق لبعضها؛ وأولها الزيف الإعلامي الذي يمكن أن نطلق عليه (الزيغ البصري) كما في الدراما، فما يحدث في العالم الآن ما هو إلا دراما متكاملة الأركان تحمل ذلك الزيغ البصري الذي يحمل الوجه المتعدد في الرؤية.

فالزيف الإعلامي الذي كان جلياً واضحاً في كل ما يطرح من قضايا عالمية وعلى تلك الصحف العالمية - التي كنا نعهدها صادقة في الماضي القريب - لم تكن سوى بوقاً فارغاً لا يحمل إلا أصداء، بينما يراها البعض مصدراً عالمياً للمعلومة، وخاصة القاعدة العامة منها، مما يسبب ذلك الزيغ البصري إن جاز التعبير!

والزيغ البصري (الإعلامي) هو علامة كاشفة على ضعف الدول واهتزازها، وهو أول صدع تكتشفه القوى الصاعدة بذكاء، ما يؤهلها للحراك سواء كان مشروعاً أو غير مشروع! وهو أيضاً ما شجع تلك القوى بالتحرك فيما يسمى بالثورات العربية، فاكتشاف اهتزاز المركز هو المطية الأولى لتحرك تلك القوى واختراقها لهرم البنية الاجتماعية مروراً بالسلطة النائبة حتى المركز!

لقد قرأنا وشاهدنا تلك الحملات الزائفة ضد المملكة بدعوى إنسان العالم الواحد إبان قضية خاشقجي، بينما نراهم يسحلون الإنسان على عتبات الأنسنة والحقوقية، فيعتقلون ويملؤون السجون، بل ويقتلون أيضاً، ومن هنا بات الإعلام لديهم غلالة باهتة تصرف الأنظار عما يحدث من نقص وضعف وخلل لديهم وهذه نقطة كاشفة للأذكياء المتربصين من القوى الصاعدة التي عرفت نقطة الضعف والاهتزاز فتحركت، ونحن بطبيعة الحال لسنا مع أي اهتزاز بل نريد الاستقرار العالمي!

منذ يومين كنت أشاهد اجتماع جامعة الدول العربية، وهالني ما سمعت من اختراق وخلل في عقل هذا العالم عندما تكلم المتحدث الفلسطيني عن بشاعة الفعل الإسرائيلي في حق الشعب الفلسطيني؛ واستدل على ذلك بتلك الأم الفلسطينية التي لها ثمانية أبناء ستة منهم في المعتقلات الإسرائيلية والسابع مطارد! وكيف تحرق قرى بأكملها ومزراع الزيتون تشتعل، بينما نجد دولة تلو الأخرى تنقل سفاراتها إلى إسرائيل. أليس هذا خللاً في العقل العالمي؟!

إن ضجر الإنسان بمحيطه القيَّمي هو ما يجعله يرفض كل شيء وخاصة إذا ما استشعر أنه مطية أو ترس في عجلة الحروب المتطاحنة أيا كانت طرائقها حينها يشعر أنه الأقوى لأن خللاً ما قد حدث في عقل هذا العالم، وهذا ما نراه في باريس بلد الحرية والنور والديمقراطية؛ وقد حدث ذلك بعد الحربين العالميتين، حينما انتفض الإنسان وقامت الحركات التحررية ومهد لذلك الفن نفسه، لأن الإنسان أصبح أحد قطبي العالم، وهذا ما نحن على عتباته وخاصة مع طغيان المادة وتشيّؤ الإنسان حتى باتت المادة ترجح بكفة القيمة وهو أشد خطراً على العالم كله من الحروب الجرارة!

لماذا هذا الزيف الإعلامي العالمي بعدما انتشر الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي في عالم تسوده العولمة - وهم من اخترعوها - ولماذا تخرج الدول عن محيطها لتتدخل في محيط الآخرين وهي تتهاوى من الداخل وتتآكل؟ ليس ذلك سوى تغطية على ما يدور بدواخلها من ضعف واهتزاز وشعارات باتت براقة إلا أنها انطفأت مع أول سترة صفراء! والشعوب باتت ذكية ترفض الزيغ البصري والمستند عليه هؤلاء لتضليل شعوبهم. لماذا يغض العالم الطرف عن قضية فلسطين أو بورما وتلك قضايا إنسانية من الدرجة الأولى، ويهتم بقضية خاشقجي وهي قضية باتت جنائية واضحة المعالم، فلم يكن قادتنا بهذا التضليل، بل كانوا يتحدثون للعالم بشفافية وصدق، إلا أننا نجد أن هناك من أقصى العالم إلى أقصاه من يتحدث ويتدخل ويحاول الزعزعة والتلامس مع شعب يثق في حاكمه، وهو ما حقق للمملكة هذا الاستقرار في خضم هذه الفوضى العالمية، لأنه جزء من سلطته الصادقة، ومن هنا لا يمكن لأي قوة مهما كانت أن تحرك شعباً التف حول حاكمه، في يوم بات العالم مختل العقل، لا حقيقة فيه، لا معرفة، ولا صدق!.