اللائق بالعاقل أن يُعَوِّدَ نفسه على الاستماع برويَّةٍ وبصيرة، وعدم التعجل والتهافت، وأن يتعامل مع ما يسمعه من الكلام بمنطق العقل والرشد، فيميز الكلام الخبيث من الطيب، والجميل من القبيح، فما كان طيباً جميلاً أخذ به، وما كان من لغو القول وسقطه أعرض عنه..

كان الخليقة قبل انبعاث شعلة الرسالة المحمدية في ظلمات بعضها فوق بعض، وقد تبددت هذه الظلمات بأنوار الهداية التي تجسّدت في أوامر الكتاب والسنة، فلم يوجد خير إلا دلّت عليه، ولا شرٌّ إلا حذّرت منه، فمن التزم هديهما أفلح ونجا وسلم، ومن تنكّب عن ذلك خاب وخسر وهلك، ومن تلك الأوامر قول الحق جل وعلا: (وأعرض عن الجاهلين)، فهذه آية ٌكريمةٌ، وتوجيهٌ عظيمٌ تضمَّن الخير والفلاح، ووجه السبيل إلى باب عظيم من أبواب المروءة، وإيجابيات الإعراض عن الجاهل، وسلبيات مجاراته كثيرة منها:

أولاً: أن في مجاراته انحطاطاً إلى دركات السفاهة، وانزلاقاً إلى حضيض لا يُلائم ذوي النُّهى؛ لأن المتباريين في أي شيء لا بد أن يجمعهما مجاله، وليس بوسع الجاهل أن يترقّى إلى درجة العاقل ليتعاركا بها، فلم يبق إلا أن ينحدر إليه العاقل، ويخوض معه حرباً خاسرة في مضمار السفاهة والطيش والجهل، والجاهل يجيد الكرَّ والفرَّ في ذلك المضمار ولن يخسر فيه الرهان، وهو رابحٌ على كل حال؛ إذ مجرد مجاراة العاقل إياه رِبْحٌ له، والعاقل خاسرٌ على كل حال؛ لأنه لو خرج منتصراً في الظاهر، فلا ممدحة في انتصاره على السفيه:

ألم تر أنّ السيف يُزرَى بقدرهِ

إذا قيل هذا السيفُ أمضى من العصا

ثانياً: أن في إعراض أهل العقول السليمة عن جهل الجاهلين حماية لعقولهم السليمة من أن تتلوّث بذلك الطيش والسفه؛ فإن العاهات المعنوية تُعدي بأشدّ من عدوى عاهات البدن؛ لأن مرض البدن إنما يُعدي عن قرب، أما العاهة المعنوية فيمكن سريانها عن بعد، فمن انشغل بمخاطبة العقول الصغيرة تلاشت قوة تفكيره، وانحطّ مستوى تعبيره، والعكس بالعكس، فالحوار الراقي مع أهل الفضل والمعرفة يُغذّي العقل، ويُنمِّي التفكير، ويصقل مواهب الخطابة والاستنتاج، ويهدي إلى مسالك الصواب.

ثالثاً: أن في إعراض أهل العقل والحلم عن جهل الجاهلين توفيراً لوقتهم الثمين، وصيانة له عن مهاترات لا تنفع في الدين، ولا تُجدي في الدنيا، ومن صان وقته عما لا ينبغي أن يُهدرَ فيه استطاع أن يوظِّفه كُلَّه للعمل الجاد والمثمر، وتحقيق النجاح تلو الآخر، ونفع الناس في دينهم ودنياهم، وكثير من الجهال والفارغين إنما يفتعل التشنجات ليُلهي العقلاء العاملين عن مواصلة أعمالهم الناجحة، فلا ينبغي إتاحة الفرصة لهم في ذلك.

رابعاً: أن العاقل الحليم، واللبيب الحصيف إذا أعرض عن جهل الجاهلين فقد استمسك بعروة التقوى الوثقى، وأوى إلى حصنٍ حصينٍ من أن يستولي الشيطان عليه، أو يطوف حول إيمانه وزكائه؛ وبهذا يُضَيِّقُ منافذ كيد الشيطان ووسوسته، ويَسُدُّ دونها مدخلاً من مداخله.

هذه بعض سلبيات مجاراة السفيه، وإيجابيات الإعراض عنه، ويبقى الحديث عن أساليب الإعراض عنه، فمنها:

درء السيئة بالحسنة، وهذه خطوةٌ نبيلةٌ، ولفتةٌ جليلةٌ تتقاصر الهمم دونها، وقد وجهنا الله تعالى إليها، وأثنى على من تجشَّمها مع شدَّتها فقال: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، والحق المبين أن هذه الخصلة لا يطيقها إلا صبورٌ محظوظ، وأنها مَحْمَدَةٌ ومنقبةٌ، لا ما يظنُّهُ بعض الناس من أن هذا ضعفٌ وخوَرٌ، حاشا وكلّا بل هو قمة القوة، ومنتهى الشهامة، فكرام الناس لا تهون عليهم أنفسهم بمجرد مواجهتهم للسيئة، بل يقتنعون بأن أمثال تلك المواقف لا تحطُّ من أقدارهم مثقال ذرة، وإنما يُبادرُ من يبادرُ بمجاراة المسيء؛ لظنِّه أن كرامته قد امتُهِنَتْ، وأن استردادها يَكْمُنُ في الانتصار.

من صفات أهل العقل المعينة على الإعراض عن الجاهلين: أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كما قال الحق جلّ وعلا: (فبشِّر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)، فاللائق بالعاقل أن يُعَوِّدَ نفسه على الاستماع برويَّةٍ وبصيرة، وعدم التعجل والتهافت، وأن يتعامل مع ما يسمعه من الكلام بمنطق العقل والرشد، فيميز الكلام الخبيث من الطيب، والجميل من القبيح، فما كان طيباً جميلاً أخذ به، واستجاب له، وما كان من لغو القول وسقطه أعرض عنه وتركه، ولم يفتح إلى قوله منفذاً، ولا تؤثر في نظرته للكلام علاقاته بقائله، فلا يحجب عن سمعه كلمة طيبة أو فائدة مستملحة، أو نصيحة قيِّمة صدرت عمن لا علاقة له به، ولا يجامل صَفِيَّهُ في الركون إلى كلمة سيئة صدرت منه إلى غير ذلك من الأساليب التي لا يتسع المقام لذكرها، وما ذُكر فيه غُنيةٌ وكفايةٌ جعلنا الله تعالى ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.