إرادة السير إلى الأمام هي السر، فبرغم العواصف نجحت قمة مجلس التعاون الخليجي بالرياض في تحقيق اختراقات، سواء بنجاح الحدث نفسه في الانعقاد، أو بتحقيق التوافق الخليجي على خطاب يستجيب للقواسم المشتركة التي تشكل البنية التحتية لأي عمل سياسي ودبلوماسي ناجح يلبي الطموحات المرجوة.

المشهد السياسي العالمي يعج، كما نرى، بالخلافات والصراعات والتناقضات، والمسرح العربي، بما فيه الخليجي، لا يمكن استثناؤه مما يجري في العالم، بل هو، ربما، الأكثر عنفاً.. والأشد دفعاً لصراعات ربما تمثل الشرارة لحروب دولية قادمة.

ومع كل ذلك الواقع القاتم، حققت الرياض التئاماً لبعض جروح الساحة، بإنجاح القمة التي ترأسها بحنكة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - يحفظه الله -، لتتجاوز المنطقة فخ الانطواء على الخلافات دون النظر إلى مخاطر أخرى تتهدد دول المجلس، وتتطلب مواقف متحدة لمواجهتها.

لقد مثلت الكلمة الافتتاحية للقمة والتي ألقاها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مفتاحاً للضمير الخليجي في آماله ورؤيته، حيث أشار - أيده الله - بوضوح إلى حرص دول المجلس على استمرار مجلس التعاون وتعزيز دوره والمحافظة عليه، وهي إشارة يحتاجها الشارع الخليجي، تلجيماً لبعض الأصوات المتشككة في جدوى المجلس وقدرته على تحقيق تطلعات شعوب الخليج.

وفي خطوات عملية على طريق التنسيق والعمل المشترك، أشار البيان الختامي للقمة إلى أن قادة المجلس "وجّهوا بالبرامج الزمنية لاستكمال خطوات التكامل الاقتصادي بين دول المجلس، وإزالة كافة العقبات والصعوبات التي تواجه تنفيذ قرارات العمل المشترك وعلى وجه الخصوص تنفيذ متطلبات السوق المشتركة، والاتحاد الجمركي".

كما أن قادة المجلس لم يغفلوا المخاطر الخارجية التي تتهدد المنطقة ودول الخليج، فرحبوا في بيانهم الختامي بقرار تأسيس قوة عسكرية مشتركة وتعيين قائد لها، ما يحقق درعاً وردعاً تحتاجهما المنطقة لصد الطامعين والمتربصين.

إنه قبس من ضياء في عالم يكتنفه الظلام، وخطوة للتراص والتكاتف وفتح قنوات التعاون والتقارب في زمن تسود فيه لغة التشرذم وتكتنفه الخصومة والشتات.