كثيراً ما ألاحظ خلطاً كبيراً لدى الطلاب، حتى طلاب الدراسات العليا، بين مفهومي "التاريخ" و"الماضي"، حيث يعتقد معظم الأشخاص أن هذين المصطلحين مترادفان، وهما في الحقيقة ليسا كذلك. فالماضي هو الماضي - وهو سجل للأحداث التي وقعت في عصور ماضية. وهذا يعني أن الماضي هو كل التواريخ والحقائق والأشياء التي "حدثت" بالفعل، يوجد لكل منا ماضيه على المستوى الشخصي، وكذلك الحال بالنسبة للأمم والمجتمعات والمؤسسات، وفي بعض الأحيان يمكننا أن نكون متأكدين وبشكل معقول حول ماذا حدث في الماضي. حيث نعلم، على سبيل المثال، أن معركة ماراثون الشهيرة بين اليونان والفرس قد وقعت في العام 490 قبل الميلاد. وأن غزوة بدر بين المسلمين والمشركين قد وقعت في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة. ولكن وفي أوقات أخرى لاسيما كلما ازدادت المسافة الزمنية بيننا وبين لحظة معينة في الماضي يبدأ القصور في ذاكرتنا بالظهور، وفي بعض الأحيان يكون المستند الوثائقي أو المصدر الشفهي الذي يخبرنا عمّا حدث في الماضي محدودًا أو غير جدير بالثقة، وأيا كان الحال هنا، فقد ذهب الماضي في هذه الحالة.

أما "التاريخ" فهو تخصص معرفي، إنه وبكل بساطة فن إعادة بناء الماضي، وكما يقول المؤرخ جون توش: "يجب أن تسخر كل مصادر الدراسات وكل جوانب الخيال للمؤرخ ليقوم بمهمة إعادة الحياة إلى الماضي أو بعثه". إن الماضي عبارة عن فوضى، لكن المؤرخين يستطيعون أن يجعلوا من هذه الفوضى مفهومة من خلال جمع الأدلة، وإعطائها المعنى، ووضعها في قالب يمكن استيعابه، إن التاريخ عمل مثير من التأويل - أخذ حقائق الماضي ونسجها في سرد ​​مقنع، حيث يعمل المؤرخ بشكل وثيق مع الأشياء التي تم تركها من الماضي - الوثائق، الشهادات الشفهية، الأشياء - لجعل الماضي ينبض بالحياة. وعلى الرغم من أن المصادر هي البداية، فإن المؤرخ يتخذ العديد من الخيارات حيالها: لماذا هذه الوثيقة وليست وثيقة أخرى؟.