درجة الوعي في المجتمع سوف تظل تلعب دوراً مهماً في كيفية محافظة المجتمع على ثقافته والاختيار الدقيق لما يجب عليه أن يتنازل به لصالح العولمة وما يجب عليه أن يحتفظ به لنفسه..

لعل السؤال المهم الذي يمكننا طرحه يقول: هل العصر الرقمي منحاز اجتماعياً وثقافياً وسياسياً؟ وما أهم النتائج السلبية السريعة التي يمكن أن تحدث عندما تم تسييل الثقافة في عصر التحولات الرقمية؟، هذا السؤال كبير جداً وقد يحتاج إلى بحث أكبر، ولكن هناك جوانب مهمة في هذا السؤال يمكن طرحها عبر ما يحدث اليوم: حيث يعاد إنتاج الثقافة البشرية كلها عبر عالم مختلف من الفضاء الرقمي، فالعالم كله يعيد إنتاج ثقافته وينقلها إلى حياة رقمية أصبحت أقرب وأسهل في الاستخدام العالمي.

العصر الرقمي عصر ساحر للبشرية ولكنه ليس بهذه النعومة في ملمسه فهو بالتأكيد يخفي الكثير من المخاطر وخاصة أنه يتم حالياً وعلى المستوى العالمي تحويل العمليات الصلبة التي ميزت الثقافة البشرية عبر تسييلها نحو العولمة، الأرقام التي تخرج إلينا اليوم عن تزايد عدد المستخدمين للتقنية، تؤكد أن التحول البشري قادم لا محالة وأن الإنسان سوف يصبح أكثر التزاماً أمام سحر التقنية في كل حياته سواء اجتماعية أو ثقافية أو سياسة أو فكرية أو صناعية.. إلخ.

هذه المقدمة ليست موضوع هذا المقال ولكنها مدخل بسيط للقول إن العالم ذاهب إلى مرحلة جديدة وحتمية ليس لنا فيها خيارات أكثر من فهم المرحلة المقبلة بشكل دقيق، لذلك سوف أختار الحديث عن مجتمعنا وعن أمثلة بسيطة جداً تم فيها تسييل الثقافة وأنتجت أنماطاً مؤثرة على جميع المجالات القائمة، دخل الإنترنت إلى مجتمعنا في العام 1994م ولم يستخدم على المستوى الاجتماعي حتى عام 1999م، اليوم وفي عام 2018م نجد على سبيل المثال أن مستخدي تويتر في العالم تجاوز المليار وثلاث مئة مليون مستخدم.

أشارت بحوث رقمية أن عدد مستخدمي تويتر في السعودية خلال عام 2018م بلغ (11 مليون مستخدم نشط، كان نصيب الذكور منهم سبعة ملايين مستخدم، فيما بلغ عدد النساء أربعة ملايين مغردة)، هذه الأرقام الكبيرة من المشتركين جعلت المجتمع السعودي في مقدمة الدول العالمية من حيث الاستخدام، لذلك لها أثر كبير على ثقافة تميزت بالخصوصية من حيث الانتشار الإقليمي والدولي، هذه القيمة الرقمية لها أثر كبير على الاستخدام المجتمعي ولها تأثير كبير على التعاطي الدولي من حيث فهم الثقافة الخاصة بنا.

أين تكمن الخطورة في تسييل الثقافة في الحياة الرقمية في مجتمعنا؟ هذا هو السؤال المهم، حيث إن درجة الوعي في المجتمع سوف تظل تلعب دوراً مهماً في كيفية محافظة المجتمع على ثقافته والاختيار الدقيق لما يجب عليه أن يتنازل به لصالح العولمة وما يجب عليه أن يحتفظ به لنفسه، ثقافة الحياة الرقمية عالمياً شديدة التأثير وشديدة الخطورة لأنها تعتمد ما ينشر من خلالها دون تقييم مرجعي لمدى هذه الخطورة.

التأثيرات المهمة على تسييل الثقافة في مجتمعنا يجب أن تكون محط اهتمامنا الفكري والأيديولوجي والسياسي، فقد يتم تدوال الكلمات غير الدقيقية عن وصف ثقافتنا أو أيديولوجيتنا وعن نهجنا السياسي والثقافي والديني، بمعنى دقيق تتوفر في الثقافة الرقمية مساحات كبرى ودون ضوابط محددة في الاستخدام المباشر للكلمات وهنا الأزمة، فمثلاً قد يتم تسييل الثقافة المجتمعية عبر استخدام كلمات وعبارات يتبناها الجميع وتكون هي مجرد صيغ مبالغة غير دقيقة لوصف الوضع القائم، على سبيل المثال فقد لوحظ خلال الأشهر الماضية استخدام صيغ وكلمات مثل (العظمى، والكبرى، والأحسن، والأقوى والأفضل) وغيرها من الكلمات التي تدفع نحو مشاعر غير منضبطة وتقييمات غير دقيقة لوصف الحالة القائمة.

هناك تناسب طردي دائم بين استخدام عبارات التفخيم المكملة في الثقافة السائدة، وبين درجة الوعي المجتمعي، فكلما كان الوعي أقل في درجته، كان ذلك مشجعاً على تسييل الثقافة عبر استخدام كلمات بديلة تكون مفخمة لوصف الواقع، وغالباً هذه الكلمات غير دقيقة لوصف الحقيقة بل مضللة ولا تصف الحقيقة كما هي، تسييل الثقافة عملية مهمة فرضتها الحياة الرقمية التي يعيشها العالم، ولكن الاختلاف العالمي يكمن في درجة الوعي في المجتمعات، لذلك يمكن القول إن انخفاض الوعي في المجتمعات في ظل الحياة الرقمية سوف يكون مؤشراً على آثار سلبية قد تحصدها المجتمعات نتيجة استخدامها الدائم والخاطئ لثقافة الحياة الرقمية التي يتم تسييلها عبر مسار العولمة الذي يجتاح العالم كله بلا استثناء.