ليس من السنة الوجوم ولا العبوس، خاصة في وجوه المسلمين والأحبة والمقربين، فإن اتبعت السنة فلا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق..

تستقيم به العشرة بين الأحباب، وتستديم به الألفة بين الأصحاب، إذا لم يخرج بصاحبه عن المباح، ويجعله ورداً في المساء والصباح! ذلكم هو "المزاح" طريقة الفضلاء، ومسلك العقلاء، ونزهة النبلاء، يستصلح به ما فسد، وتجم به النفس، ويسر به الوجه.

يقال له الفكاهة، ورجل فكه، إذا كان ممازحاً وطيب الكلام، قال القرطبي عند قول الله تعالى: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) الفكاهة: المزاح والكلام الطيب. وقال أبو زيد: يقال: "رجلٌ فَكِه، إذا كان طيّب النفس ضحوكاً". وفي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن كان النبي ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير؟ وفي رواية ابن حبان "ليخالطنا كثيراً". والنُّغَير: اسم طائر كان يلعب به عُمير. ولا يفوتك التأمل في قول أنس رضي الله عنه: "يخالطنا كثيراً". وفي الصحيح وغيره ممازحة رسولنا لأهله، كسباقه مع عائشة رضي الله عنها، وجلوسه بين سودة وعائشة وهما تتمازحان في حديث طويل.

وليس المقام مقام بسط ولكن من باب التذكير حتى لا يظن ظانّ أن المسلم إذا مازح أهله أو أصحابه فذلك نقص في حقه! فرسول الله قدوتنا في كل شيء، وقد أمرنا الله سبحانه أن نسير على طريقة الأولين السابقين، فإن الواحد منا قد يترك ممازحة أهله وأبنائه وأصحابه ويلبس لباس الجفاء والغلظة، ظناً منه أن المزاح يخل بمقام العبودية، أو يقلل من الهيبة، أو ينزل من المقام، وإن كان مزاحاً مضبوطاً بالشرع. والحق أن الجفاء في ذلك مذموم، كما أن الاسترسال فيه أيضاً مذموم، فما يصلح منه في مكان قد لا يصلح في غيره، وما يستساغ في زمن قد لا يحسن في زمن غيره، وما يتلاءم مع أخلاق أناس، قد يكون سببًا للعداوة مع آخرين، فالسفيه والحقود واللئيم والوضيع ونحوهم في ممازحتهم تسليط ألسنتهم عليك، وإظهار عيوبك، والتشفي بك على سبيل المزاح، وهو منك إعانة لهم على تضييع أوقاتهم، وإفساد أعمارهم، وذهاب دينهم، وقد أحسن من قال:

لي صاحبٌ ليس يخلو

لسانه من جراحِ

يجيد تمزيق عرضي

على سبيلِ المُزاحِ

وفي ما سبق بعض جواب لمن يتساءل عما نغرد به في مواقع التواصل - أحيانًا - أو نخالط به بعض من يجالسنا، نتألف به القالي، ونضحك به الغالي، وقد عرف بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه - يضحك رسول الله - وكثيراً ما نعرض به بعض فقهيات الحياة بالأسلوب المقرب إلى كثير من النفوس، ونفوس هذا الزمان سريعة الملل، سريعة الكلل!

وقد خبرنا "الغلظة والعبوس" فما وجدناها إلا أبعد ما تكون عن عفوية الأخلاق النبوية، التي كان معتمدها على قول المولى (وما أنا من المتكلفين) فلو أرسلنا لأنفسنا عنان الفطرة، لوجدناها أكثر انشراحًا وقبولاً للحق، ويكفينا عن هذا كله قول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: "وتبسمك في وجه أخيك صدقة"، فكيف تحدث الابتسامة إلا من نفس بشوشة تُرى على حركات وسكنات صاحبها أمارات الألفة، وعلامات الانبساط، فحين يراها الناظر يستذكر بها طيب الحياة ونعيم الآخرة، وفكاهة أهل الجنة، وهو ما أكد عليه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم "خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله عز وجل"، وذكر الله يسعد النفس ويشرح الصدر، كيف لا؟ وهو "الجميل" سبحانه، وما جعل ذكر الله وذكر الموت والنار والعقاب إلا لتلين القلوب القاسية التي لا تعرف لإسعاد الآخرين مسلكًا غير حب التسلط والعبوس والتخويف!

وفي صحيح مسلم أن عمر رضي الله عنه استأذن على النبي صلى الله عليه وآله فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا، حولَه نساؤُه، واجمًا ساكتًا. فقال: لأقولنَّ شيئًا أُضحكُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فليس من السنة الوجوم، ولا العبوس، خاصة في وجوه المسلمين، والأحبة والمقربين، فإن اتبعت السنة فلا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. كما أخبر حبيبنا صلى الله عليه وآله، وكما أخبر عنه جرير بن عبدالله رضي الله عنه بقوله: ولا رآني إلا تبسم في وجهي. فتحريك عضلة الوجه بالتبسم منقبة، لا تضيع هيبة، ولا تقلل قيمة، بل تشرح نفس المقابل، وتزيح سداً منيعاً قد يحجب الألفة، والمودة، ويفتح باباً للتحريش والبغضاء. هذا، والله من وراء القصد.