الفلسفة اليوم تُعدّ وسيلة مهمة لفهم ذواتنا وفهم الآخر وكذلك فهم ما يحيط بنا من أفكار وتحولات وعدم الإنجرار وراء ما يفسد الهوية والفكر وكل ما يقلق الذهن ويوتّره ويتصادم مع المنطق والوعي..

خطوات إيجابية حثيثة متسارعة تشهدها المملكة العربية السعودية على شتى الصعد لا سيما ما يتعلّق بصياغة الإنسان والفكر والثقافة إيماناً منها بأهمية الإنسان في صناعة المستقبل وتمثُّل الثقافة وتحقيقها بالمعنى الاجتماعي الذي تبلور على يد تايلور والذي يرى الثقافة ذلك المزيج المؤتلف من المعارف والمعتقدات والممارسات والتوجهات والأعراف والأخلاق والفنون التي يكتسبها المرء خلال تنشئته كي يصبح عضواً في المجتمع وهو ما يؤكد عليه عالم الاجتماع د. مصطفى حجازي الذي يعتبر أن الثقافة بهذا المفهوم الاجتماعي عامّة، حيث لكل مجتمع ثقافته وخصوصيته طالما أنها تمثّل عملية التنشئة للعبور من الحال البيولوجية إلى الحال العضوية الاجتماعية؛ فالثقافة بهذا المعنى تعطي حاملها هويته الاجتماعية وتحدّد أفقه الوجودي وتوجّهه ومرجعيّاته العامة فضلاً عن كونها تقوم بالعديد من الوظائف التي تؤدي إلى تماسك المجتمع وفاعليته.

اليوم يعيش الوسط الثقافي تحديداً وكذا التربوي والاجتماعي عموماً حالاً من الجذل والحبور المبرّر بعد اعتماد تدريس الفلسفة والتفكير الناقد خصوصاً؛ حيث تم اعتمادها في التدريس للمرحلة الثانوية؛ وهي خطوة جسورة تؤكّد أحقية هذه البلاد الفتية باللحاق بركاب الدول المتقدمة والرائدة في مجال العلوم الإنسانية المختلفة ومن ضمنها الفلسفة التي تعدّ وسيلة مهمة لفهم ذواتنا وفهم الآخر وكذلك فهم ما يحيط بنا من أفكار وتحولات وعدم الإنجرار وراء ما يفسد الهوية والفكر وكل ما يقلق الذهن ويوتّره ويتصادم مع المنطق والوعي.

لا غرابة في إيلاء الفلسفة والتفلسف هذه الأهمية؛ فهي باتت حاجة وضرورة مجتمعية وإنسانية وحضارية لا سيما وأن المسلمين والعرب لا يعتبرون غريبين على الفلسفة والتفلسف إذ ما زالت أطروحات وأفكار الفارابي وابن رشد وابن سينا والغزالي وغيرهم نابضة بالحياة في كتبهم التي استفاد منها الغرب البعيد قبل الشرق صاحب الحضارة الباذخة والألمعية الفكرية الخصبة. فالغرب قبلنا استشعر أهمية الفلسفة وسارع في ردم فجواته المعرفية عبر تشجيعها وتهيئة المناخات العلمية الموائمة لبذر الأفكار واستحصادها والاستفادة من ثمارها في بناء نهضته ومشروعاته الفكرية والحضارية وتدبير شؤونه السياسية والحفاظ أيضاً على هوية أفراده؛ وقد كان هيغل الفيلسوف الألماني الأشهر قد رأى أن الإنشقاقات والتحولات الكبرى التي تمثّلت في الانتقال من العصور الوسطى في أوروبا إلى العصور الحديثة، قد ولّد قلقاً ذهنيّاً اعتبره هو «مصدر الحاجة إلى الفلسفة» والحال أن المجتمع العربي اليوم والفكر العربي - كما يرى معدّو ومترجمو كتاب «التفكير الفلسفي؛ محمد بن سبيلا وعبدالسلام بن عبدالعالي في مقدمة الكتاب: يشاهد ويعاني من حدوث تحولات كمية ونوعية في مجالات الحياة كافة، تغيّرات تقنية وديموغرافية وأخلاقية وسياسية وجمالية لا حدّ لها، وهي تحولات تنعكس على المعايير والمفاهيم والقيم والرموز، وتُحدِث أشكالاً من البلبلة وسوء الفهم لا حدّ لها، كذلك ويخلص الباحثان إلى أنّ ضخامة، بل شراسة هذه التحولات تفرض علينا واجباً مضاعفاً في التفلسف ويولد لدينا حاجة مزدوجة إلى الفلسفة بغاية فِهْم ذواتنا وفِهْم الآخر.

من هنا تتجلّى أهمية قرار وزارة التعليم -الأهم في تاريخها- ونجاعته وراهنيّته؛ فلا أجمل مِن أن يكون شباب المستقبل وصانعو أحلامه قادرين على التعاطي مع مشكلات عصرهم وتحديّاته وتشابكات أقنيته ووسائطه المعرفية على اختلافها فضلاً عن أن هذا التفكير الناقد يمنحهم عقولاً مرنة ويُكسِب تفكيرهم أمداءً وفاضاءات رحبة شاسعة وخصبة وناضجة؛ عقول لا ترتهن للتكلّسُ والجمود وضيق الأفُق وهلامية التعاطي مع أي شأن ذي بال. والأهم من هذا وما يجب التنبّه له أنّ هذا التفكير والفلسفة هما الحصانة بعد الله من الانزلاق نحو التطرّف والعنف والإقصائية ودوغمائية التفكير التي من أوضح صورها هي التديّن السطحي والذي كان من ثمراته أن وقعوا هؤلاء في أيدي المتطرّفين والمتشددين وباثّي الفُرقة والعنف والدّموية. فالتفكير النقدي المنطلق من عقل متبصّر وأفكار عميقة ناضجة لن يستطيع أي فكر ضالّ ومنحرف أن يجذبه أو يخترقه. الفلسفة والتفكير النقدي إذاً سياجٌ منيع من الدوغمائية المتطرّفة وطريق مفضية للجمال والفضيلة والحق والخير والاغتناء الروحي.