الميت أحوج إلى البرّ؛ فقد انقطع عمله إلا ما كان قد خلّفه من الخير المستمر، ومن ذلك ولده الصالح، فلا ينبغي أن يتراخى من مات أحد أبويه، أو كلاهما في الدعاء لهما، والصدقة عليهما بما يصلهما أجره..

برُّ الوالدين من آكد الواجبات، ومن أهم الحقوق التي يجب على الإنسان إيتاؤها لذويها وافية غير منقوصة، وقد تكررت في القرآن الكريم آيات تؤكد متانة هذا الحق، وتكررت معية الوصية بالوالدين للأمر بالتوحيد إشعاراً بأهميتها، فمن ذلك قوله تبارك وتعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)، وكثير من هذه الآيات لم يخل من تذكير الولد ببعض منن الوالدين عليه كتذكيره بتربيتهما إياه صغيراً في هذه الآية، وكتذكيره بمعاناة أمه في فترة الحمل به ومكابدة وضعه ومشقة إرضاعه في قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، فهذه الكلمات تخاطب الضمير الحي في قلب الولد؛ لتهييجه واستثار مشاعره تجاه والديه، ولا شك أن من يتلو هذه الآيات ويلقي إليها السمع وهو شهيد تلتهب مشاعره كلما سمع ما تضمنته من اللفتات الإنسانية، وبر الوالدين والإحسان إليهما أمر متقررٌ في الفطر البشرية، وهو معلومٌ لكل من عاش في مجتمع متدين، ولو كان أمياً، والعرب في جاهليتهم يحترمون الوالدين، ويغلونهما ومن أخلاقهم الفاضلة التي أقرَّها الإسلام بر الوالدين، فضرورية مراعاة حق الوالدين متفق عليها، ولما كان بعض أساليب رعاية هذا الحق غير جلي لبعض الناس ناسب الحديث عنها من خلال الوقفات التالية:

الوقفة الأولى: القرارات المصيرية التي لها أثر في حياة الولد، ويمكن أن تشغله، أو تقطعه كليّاً، أو جزئياً عن والديه تخضع لرضى الوالدين، فليس له أن يبرم منها شيئاً بغير إذنهما إلا ما كان فرضاً عينياً كأداء فريضة الحج، فلو كان الشيء فرض كفاية لم يجز للمسلم الإقدام عليه إلا برضى أبويه المسلمين، والدليل على ذلك أنه لا يجوز لهذا الولد أن يجاهد إلا بإذن والديه، فعن معاوية السلمي رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني أريد الجهاد في سبيل الله فقال: «هل أمك حية» قلت: نعم قال: «الزم رجلها فثمّ الجنة»، ومن هنا يظهر تغرير الجماعات المتطرفة بالشباب حيث كانت تستلبهم من والديهم سِرّاً، وتزجّ بهم في الفتن، فأوقعتهم في محذورين أولهما: الإخلال بحق الوالدين والثاني: الإيضاع في الفتن.

الوقفة الثانية: بعض الناس يحمله حب الخير غير الموزون بالعلم، فينشغل عن واجب أداء حقوق والديه بالنوافل البدنية، والنفقات المالية، فيكون قد استبدل الأدنى بالذي هو خير، وهذا خطأ، فحق الوالدين مقدم على سائر النوافل، فليس للإنسان أن يتبرع بمال يحتاج إليه أحد والديه، ولا أن ينشغل عنهما في فعل نافلةٍ، وقد ذكر العلماء أن الولد إذا عزم عليه أحد والديه في أن يفطر من صوم التطوع فعليه أن يفطر، وله أجر الصوم والبر.

الوقفة الثالثة: لا يقتصر البر بالوالدين على حالة حياتهما، بل يستمر إلى ما بعد موتهما، فعلى الولد أن يجتهد في ذلك، فالميت أحوج إلى البرّ؛ فقد انقطع عمله إلا ما كان قد خلّفه من الخير المستمر، ومن ذلك ولده الصالح، فلا ينبغي أن يتراخى من مات أحد أبويه، أو كلاهما في الدعاء لهما، والصدقة عليهما بما يصلهما أجره، فما أحسن أن ينعَّم الوالد في قبره بدعوة أو صدقة أهداها إليه ولده، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل ليرفع للعبد الدرجة فيقول: أي رب أنّى لي هذه الدرجة؟ فيقول: بدعاء ولدك لك».

الوقفة الرابعة: من حق الوالدين على الولد أن لا يعرضهما للسب والشتم واللعن، فإن الإنسان إذا شتم والدي الآخرين شتموا والديه، فمن اعتاد على شتم والدي خصومه فتح على والديه أبواباً من الشتائم، ولا يغرنّ البعض أنه قد يكون ذا سطوة معينة تحميه من سماع ردود الآخرين عليه أثناء شتمه والديهم، فقد يكيلونه الصاع بالصاعين في غيبته، والولد يتحمل وزر ما يُقال عن والديه في مثل هذا الموقف، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟، قَالَ: «يَلْعَنُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَلْعَنُ أَبَاهُ، وَيَلْعَنُ أُمَّهُ، فَيَلْعَنُ أُمَّهُ».