لا يمكن قياس تلك القوة بمقاييس عسكرية أو سياسية إنما بمقاييس اقتصادية وهذا النوع من المقاييس يعطي ثماره على المدى الطويل؛ إذ سيجلب القوة العسكرية ويجذب بالتالي القوة السياسية ثم الهيمنة على المجتمع الدولي

قانونية طاعنة في السن، ترى ما حولها باهتاً، لم تعد تؤمن أنه بالإمكان أن تسترجع شطراً من الماضي، تقرأ مُذكرّات شقيقتها المؤرّخة المتوفاة مُنذ خمسة عقود تقريباً، وقد كانت شقيقتها مؤرخة وباحثة وكاتبة في العلاقات الدولية وقد هاجرت في نهاية عقدها الثاني من عمرها، تركت وطنها بعد ما شعرت أن لا قيمة فكرية أو اجتماعية أو حتى أسرية لها.

كتبت المؤرخة المتوفاة في أول صفحة من مذكراتها "لم يكن كافياً أن يكون المرء على قيد الحياة ليكن في الحياة أساساً، فطالما سطوة الأموات كانت أقوى من الأحياء حيث استمر وجودهم في الحياة رغم أنهم غادروها؛ لأن العبرة ليست في ضرورة العيش إنما ما يترك المرء من أثر على البشرية".

ثم كتبت تحتها مباشرةً "أنا جبانة بقدر الأيام والسنوات التي لم أُهاجر فيها، أنا جبانة حقاً.. لكني بدأت أتصالح مع نفسي؛ لأني ساهمت في منظومة اجتماعية واستراتيجية سياسية في بلد آخر، ومارست أفكاري ومواهبي على أرض الواقع للمرة الأولى، ثم أني لن أموت حتى أُخرج ما لدي من نظريات وتفسيرات علمية تخص علم التاريخ وأُفيد البلد الذي احتضني وقدّم لي بيئة صالحة لمواهبي وأفكاري".. السلام لك يا موطني الأُم ثم لموطني الثاني الذي سأُدفن بهِ.

ثم قلّبت شقيقتها بقية المُذكرات ووجدت فصلاً يحمل عنواناً مُثيراً وهو "أواخر القرن الواحد والعشرين – سيكون قرناً أفريقياً".

أبحرت القانونية في الفصل ووجدت تنبؤات قد كتبتها شقيقتها المتوفاة منذ خمسة عقود تقريبا، في تاريخ 22 يونيو عام 2018م حول أحداث العالم والمجتمع الدولي بشكل خاص، حيث كتبت أن بداية القرن الواحد والعشرين قد كان أوروبياً ثم أميريكياً لكن في المستقبل رُبما أواخر القرن الـواحد والعشرين سيكون قرناً أفريقياً، وبوسعي اليوم أن أرى نوعاً من القوة قد نما وتطور وتغلغل في القارة الأفريقية بصمت إنها "الصيـن"، ولا يمكن قياس تلك القوة بمقاييس عسكرية أو سياسية إنما بمقاييس اقتصادية وهذا النوع من المقاييس يعطي ثماره على المدى الطويل؛ إذ سيجلب القوة العسكرية ويجذب بالتالي القوة السياسية ثم الهيمنة على المجتمع الدولي. لا أستطيع اليوم أن أرى العالم بعيون أميركية أو أوروبية إني أرى بداية ضعف القوة لكن قليل من يلاحظ ذلك، وحدهم المؤرخون يفهمون السُنن والأطوار للبُلدان.

أعلم أني لو تحدثت بهذه الفكرة سيسخر مني أبناء وطني الأم، لكن عندما هاجرت وطرحت هذه التنبؤات وقدمت استراتيجية واضحة المعالم لصناع القرار في مركز الأبحاث الذي عملت به، قد اهتموا بها. خاصةً وأن الأمر يتعلق بالصين.

ثم إن أفريقيا الجميع مُنصرف عنها في ظل الأوضاع السياسية الراهنة في حين أن الصين العملاقة في لُطفها تسعى لتحقيق أهدافها الاستثمارية حيث هدفها المنشود بأن تكون الممول الأول لأفريقيا. وقد طرحت الصين خطة عُدت من الخطط الذكية في الاستثمار في أفريقيا، وهي أنه خلال عام 2010م المفترض أن يتم توطين 10 ملايين صيني في القارة، وهذا ما نجحت به بالفعل، ومن نتائجه الاعتماد على السلع والخدمات.. والتغلغل الصيني طبيعياً إذ إن هناك فراغاً قد غزا القارة الأفريقية منذ انتهاء حُقبة الاستعمار الأجنبي لها منذ عقود، ورُبما تُريد الصين اليوم سدّه بطريقة ذكية وهادئة والمُهم أنها مليئة بالسلام، فالصين لا تُريد تحقيق مكاسب سياسية بقدر ما تُريد تحقيق المكاسب الاقتصادية التي ستجلب لها الثقلين السياسي والعسكري، وتبياناً لذلك حينما حققت الكثير من أهدافها الاقتصادية فقد أسست على الأراضي الأفريقية أول قاعدة عسكرية وكانت في جيبوتي، وقد كان تبريرها أن ذلك جزء من أمنها الوطني الذي يستوجب تأمين الخط الملاحي التجاري.

أغلقت القانونية المُذكرات وهي خائفة، مُعتقدة أن شقيقتها المتوفاة كانت تستعين بالعرّافين والكهنة حول ما سيحدث في المستقبل!

لأن هذا ما حدث بالفعل وأصبح العالم اليوم أفريقياً، فعندما تنبّهت الدول العُظمى لتحركات الصين وخُططها في القارة الأفريقية، حلت بعض الأزمات، وحل الدمار ببعض المناطق والمنافذ البحرية وانعدم الأمان مدة تزيد على عقد من الزمن ثم ما لبثت الأزمات حتى انقلبت موازين القوة لصالح الصين، وأصبحت اليوم اللاعب الدولي الأول في هذه القارة وامتد التأثير إلى قارات العالم، وبالتالي فإن الهيمنة اليوم للصين.

ثم عادت القانونية وفتحت المُذكرات من جديد، تحديداً الفصل الخاص في الهجرة، لأن لديها الشغف والفضول أن تقرأ كيف عاشت شقيقتها وحيدة في الغُربة! وجدت في الصفحة الأولى قد كتبت الراحلة "هاجرت من بلد يرى العقول النيّرة على أنها ظلام، بلا قيمة تُذكر، ومن مُجتمع يُشبه بعضه إلى حد كبير، ومن أُسرة كانت صورية أمام الآخرين".. "وذهبت إلى بلد رأى عقلي نيراً، ومُجتمع متنوّع لا يُشبه البعض منه الآخر، وكُنت أنا الأسرة لنفسي، كنت أنا أمي التي تهتم بي، ووالدي الذي يحن عليّ، وكُنت ابنة بارة بنفسي حينما كُنت أُصارع مرضي، وكان القلم وقوداً والفِكر مُساهماً في استراتيجية البلد الذي هاجرت إليه، إذ كانوا يؤمنون أن جزءاً من صُنّاع القرار يجب أن يكونوا "مؤرّخين". شكراً للتاريخ فقد كان أُسرتي في غُربتي.

أغلقت القانونية المُذكرات بسرعة ولم تستطع أن تُكمل، ثم كتبت مقالة عن أضرار هجرة الأدمغة وضرورة احتوائها، مع العلم أنه تمت الكتابة عن نفس الموضوع مئات المرات منذ عقود في موطنها وحتى الآن لم يستشعروا خطر هذه الظاهرة..!