دول الخليج، ومع أنها تعيش في منطقة مشبعة بالأزمات وتعيش في عالم مليء بالمنافسات الاقتصادية والسياسية، إلا أن قدرتها على البقاء الطويل وتحمّلها كل الأعباء يعكسان قدراتها السياسية التي ميّزت قادة الخليج خلال الأربعة العقود الماضية..

مجلس التعاون هو نتاج مهم لبيئة وظروف سياسية ساهمت في إنتاج فكرة المجلس الذي عقد قادته اجتماعهم التاسع والثلاثين في الرياض، تحديات المجلس سوف تظل دائماً مرهونة بمعايير القوة السياسية والأثر الاقتصادي وتحديات الأمن القومي لدول المجلس وتأثيراته على النظام العربي والعالمي. في هذا الزمن وأكثر من غيره يدرك قادة مجلس التعاون التحديات التي يمكنها أن تهدد كيان مجلس التعاون أقوى مؤسسة سياسية عربية وأكثرها صموداً أمام الرياح السياسية خلال الأربعة عقود الماضية.

هذه الميزة التاريخية لمجلس التعاون يقف خلفها بنية اقتصادية وثقافية وسياسية واجتماعية تشكلت منها دول مجلس التعاون، فدول الخليج وحدها تتربع على 55 % من الناتج المحلي من الدول العربية كلها، بينما يعيش في هذه الدول فقط 14 % من عدد السكان في العالم العربي، المملكة لديها أهم المقدسات الإسلامية على الإطلاق، دول الخليج تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم وكذلك الغاز وتمتلك الثروات الأندر في العالم، دول الخليج يحيط بها أهم ممرين بحريين في العالم على الخليج والبحر الأحمر، لذلك نشهد أن دول الخليج وبعد أربعة عقود تحاول بكل قواها تجنب كل مسببات عدم التعاون بينها فهذه الدول ظلت مزدهرة وتعلم أن النظام العربي من حولها تعرض للكثير من الفشل وخاصة بعد الثورات العربية التي اجتاحت المنطقة.

دول الخليج تحاول جاهدة فيما بينها لفهم التحديات وتبسيطها وشرحها للقيادات والشعوب، فالتهديدات والفرص والمخاوف وتكتل الأعداء كما هي إيران ومحاولة اختراق العمق الخليجي كل تلك مهددات تحظى بالاهتمام من قيادات مجلس التعاون فخلال أربعة عقود مضت لم تكن تلك الدول تمر بما هو أقل من ذلك من تعقيدات للحالة الخليجية، اليوم هناك أزمة قطر الدولة الخليجية الأكثر إثارة للجدل، فالأزمة القطرية ودول الخليج يتم دفعها من جانب أطراف متعددة دخلت على ضفاف الأزمة والهدف دفع هذه القضية لتتحول إلى أن تكون معادلة صفرية تتلاشى فيها نقاط الالتقاء.

السؤال المهم الآخر كيف ستواجه دول الخليج الميزان المتغير في السياسية الدولية والإقليمية تجاه قضايا المنطقة وخاصة في محددات القوة والاقتصاد والأمن القومي، تاريخياً أثبتت التجربة السياسية لدول الخليج أن وجود المجلس وتواتر اجتماعاته شكل مستنداً تاريخياً قوياً لإثبات توازن فعلي تحظى به المنطقة، بالإضافة إلى أن هذا المجلس سجل استجابة تاريخية مميزة لتطلعات الشعوب الخليجية والعالم، لقد أثبتت الحسابات السياسية للشعوب الخليجية وقياداتها قدرتها على تحقيق النجاح والترسيخ التقليدي لجذور المجلس سياسياً من خلال الاستجابة للطبيعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لدول المجلس.

على النقيض من التوقعات التي كانت تحمّل الدول الخليجية الكثير من النتائج السلبية بعد الثورات العربية، فقد جاءت النتائج عكسية تماماً فخلال السبع سنوات الماضية بدا اندماج الشعوب الخليجية وتفاعلها أكبر من المتوقع، وقد انعكس ذلك جلياً في الاحتفالات بالأيام الوطنية بين دول الخليج فبتنا نشاهد الاحتفالات بالأيام الوطنية وكأن العواصم الخليجية عاصمة لدول واحدة للخليج، كل ذلك حدث بشكل ملاحظ خلال الثماني سنوات الماضية، هذه الاستجابة الشعبية شكلت غطاء أكثر سماكة أمام الانتقدات التي تم توجيهها لدول الخليج.

دول الخليج هي الدول الوحيدة في المنطقة العربية التي لم تنخرط في أزمات سياسية كنتيجة للتأثيرات المحتملة للثورات العربية، حتى الأزمة مع قطر ما زالت حتى اليوم في إطار معادلة آليات الاحتواء وليست في إطار مؤشرات قوة وتهديدات محتملة، ودول الخليج تدرك أنها قادرة على فرض القوة وترقية الاقتصاد وتحسين أمنها القومي مهما كانت التشكيلة التي تعكس صورتها الإقليمية، وخاصة أن منظومة الخليج اليوم يتصدرها تناغم بين أقوى دولة وأكثرها تأثيراً السعودية والإمارات.

دول الخليج، ومع أنها تعيش في منطقة مشبعة بالأزمات وتعيش في عالم مليء بالمنافسات الاقتصادية والسياسية، إلا أن قدرتها على البقاء الطويل وتحملها كل الأعباء يعكسان قدراتها السياسية التي ميزت قادة الخليج خلال الأربعة العقود الماضية التي رسخت للشعوب الخليجية رسالة مفادها أن مجلس التعاون سوف يظل ضامنا موثوقاً لاستمرار الدول الخليجية وبقائها، فالعالم اليوم يشهد انفتاحاً هائلاً على قوى عالمية في الشرق والغرب حيث تعاد التوازنات بشكل ديناميكي جديد يستبعد التهديدات المحتملة على البنية الخليجية مهما كانت مكونات هذه البنية.