لم أعتد مدح أحد، ولا أحسن المديح، جبلةً فيّ، ونقصاً في قدراتي، ولكني الآن أجدني مدفوعاً بقوة الموقف أن أمتدحه، ثناء وشكراً وعرفاناً، وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وآله وسلم: لم يشكر الله من لم يشكر الناس..

من متناقضات هذه الحياة أن شخصاً من ذوي الأموال حاولت الاتصال به كثيراً، وأرسلت له في موضوع لشخص يعز عليه هو، ويحبه هو، ولكني لم أنل شرف لقائه أو حتى التحدث معه حتى ساعتي هذه!!

وسأقص عليكم حكايتي مع رجل ذي منصب، وجاه، وله من الأعذار ما يملأ جراباً لو أراد أن يعتذر، ثم إن الشأن يخصني، وليس له فيه منفعة سوى ما يرجو من ثواب مولاه، وما جبلت عليه نفسه الأبية من شيم الكرام، نجدة وصلة وقراء، وكسباً للمعدوم.

ولم أعتد مدح أحد، ولا أحسن المديح، جبلة فيّ، ونقصاً في قدراتي، ولكني الآن أجدني مدفوعاً بقوة الموقف أن أمتدحه، ثناء وشكراً وعرفاناً، وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وآله وسلم: لم يشكر الله من لم يشكر الناس.

ثم إن عجزي عن جزائه يزيد في دفعي لذكر مواقفه، لا لأنه يحب ذلك أو يسعى إليه، فهذه حال ذوي النقص، وأما هو ففيه من كمال الخلق والخلق ما يكفي أحدها ليفخر به من أراد الفخر وسعى إليه.

وأبدأ بعنوان كلمتي هذه المجرد من الألقاب والنعوت، وليس هذا إلا زيادة في إجلاله، ورفعة من منزلته، وعلواً لقدره، فأنت ترى أنك تقول قال الله تعالى، قال النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، قال أبو بكر، قال عمر، قال عثمان، قال علي، وتذكر أسماء خلفاء الأمة فتقول هارون الرشيد عبدالرحمن الداخل، وهكذا هي حال من عظم قدره لا تزيده الألقاب إلا نقصاً!

وأثنّي - بالتشديد - بالتنبيه على أني سأذكر واحدة هي عندي من أهم القصص الشخصية معه، وأما مواقفه معي ومع غيري فكثيرة.

حين مرض والدي - رحمه الله -، واشتد به المرض، وكنت عنده ليلة قريباً من منتصف الليل، وكان علاجه في مستشفى الشميسي، وهم أخبرونا أنهم عجزوا عن علاجه، وهو يعاني فشلاً كلوياً، وكنت أرى أبي يتألم ويئن وليس في يدي حيلة، ونحن الآن قريباً من منتصف الليل بل قد جاوزناه بقليل، فاتصلت بأحد الإخوة عند أحد الأمراء مستعيناً به ليكلم الأمير ليجد لي حلاً، فقال لي ولم لا تتصل بالأمير سلمان؟ -كان حينها أميراً للرياض - قلت وأنى لي أن أتصل به في مثل هذا الوقت؟ ثم إنه ليس في الرياض، هو في جدة، قال: اتصل بالقصر وسيخبرونه، ولا تتردد. فاتصلت بقصره في الرياض، فقيل لي إن سمو الأمير في جدة، وهذا رقم القصر في جدة.

اتصلت بالقصر في جدة، فلما رد علي السنترال، سألني من أنا؟ فقلت: فلان. فقال لي: لحظة، فانتظرت قليلاً، وكل ظني أنه يسجل الرقم، أو يكتب المعلومة، ولم يخطر ببالي أن يكون التجاوب وأنا مازلت على الهاتف! فإذا بصوت الأمير يحييني، والله الذي بعث محمداً بالحق ما ظننت أنه سيرد علي بهذه السرعة، فلما شرحت له الأمر قال لي أبشر، وسأخبر المستشفى التخصصي بالأمر. وأغلق الهاتف.

وما هي إلا دقائق وإذ بالمستشفى يتصل، ونسق الموعد للوالد وأدخل، وكان المنسق - جزاه الله خيراً - يلح علي في الاتصال ويكلمني كثيراً، وقال لي متأسفاً حين رأى أنه أزعجني بالاتصال: لا تؤاخذني فالأمير يتصل بي كثيراً ويسأل ماذا جرى؟ ماذا حصل؟ ما النتيجة، ما هي الحالة؟ حتى قضى الله أمره، فاتصلت به - وفقه الله - مخبراً إياه بوفاة الوالد، فعزاني عزاء رطّب الكبد، وخفف المصاب، حين قال: أنتم تعلمون الناس الصبر في مثل هذه المواقف، فكن أول العاملين بما تعلم.

قد ينسى المتفضل حسن صنيعه، ولكنها تبقى ذكرى راسخة في ذهن المحسن إليه، ولو شئت لأسهبت، ولكن المساحة لا تفي بالغرض، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

وإنما ذكرت هذه القصة لا غيرها؛ لأنها ماثلة أمام أعين الناس في الداخل خاصة، وفي الخارج أيضاً، إذ يرون قصص وفائه، وحسن حفظه للود وزيارته لأصدقاء قدامى، رغم توليه مسؤولية قيادة هذه البلاد العظيمة، وتتردد أصداء استيقافه لمن عرف عن أبيه معروفاً أو موقفاً مشرفاً، ممن يقدم للسلام عليه، أيده الله.

وبعد، فإن في الجعبة الكثير، ولكني أقف هنا، مهنئاً، ومثنياً، وداعياً، لسلمان بن عبدالعزيز، الملك، والإنسان، والأب، والقائد، الوفي، والمربي الذي أنجب أبناء ينافسونه في التواضع مع الهيبة، والرحمة مع الحزم، وما ذلك بمستغرب.

وكنت سطرت هذا المقال قديماً، ولم أنشره، ثم تذكرته وأنا أحضر للكتابة عن مضي أربع سنوات على عهده الزاهر، فرحم الله أباه، وإخوانه من الملوك الذين سعدت بلادي بقيادتهم، وأمد الله في عمر الملك، وأعانه على مواصلة الطريق، وإعلاء البناء الذي أسس بنيانه عبدالعزيز بن عبدالرحمن، وساهم من خلفه كل بحسبه، وأمده بعونه وتوفيقه، وجعل ولي عهده له عضيداً، وركناً شديداً. هذا، والله من وراء القصد.