القومية هي علاقة تجمع بين صفات وخصال مجموعة من الأفراد داخل مجتمع واحد له ظروف اجتماعية وثقافية واحدة، أو بين المجتمع والمجتمعات المجاورة له، حيث تجمع بينهم عناصر متشابهة، لكنها تُعنى بجوهر الأشياء، فالعلاقة هنا خارجية..

يعد مصطلح الهُويّة من أعقد المصطلحات التي يتعرض لها الباحثون، فهناك خلط بين القومية والهُويّة، لذا نتعرض إلى الفرق بين هذين المصطلحين ودورهما في المجتمعات.

فالمجتمعات تحيا بتلقائية ملموسة وتشكل فيما بينها قانوناً أخلاقياً واجتماعياً يتمثل في مجموعة العادات والتقاليد والأعراف، وهو قانون ملزم. فالمجموعة تحتم العادات والتقاليد وتحملها جنباً إلى جنب مع آمالها وأحلامها لتسترشد بها في تحقيق هذه الغايات والآمال، فتماسكها وترابطها يمثل قوة اجتماعية، والتي عبر عنها محمد حسين فضل الله بقوله: "إنها القوة التي يملكها المجتمع في نطاقها الموحد، وفي الجوانب العلمية المتمثلة بالتماسك والترابط العضوي، بين أفراده على أساس الفكر المشترك والشعور المشترك والعمل المشترك في اتجاه الهدف الواحد المشترك، لتنفيذ الأعراف والعادات والتقاليد، أو العمل على تنمية الإحساس بالشخصية الوطنية بكونها نتاج توحد أفراد المجتمع وتعاونهم؛ على أن القومية هي: "صلة اجتماعية عاطفية تنشأ من الاشتراك في الوطن والجنس واللغة والمنافع، وقد تنتهي بالتضامن والتعاون إلى الوحدة".

ومن جهة أخرى قدم د. لويس مليكة مفهومه عن الطابع القومي بما يتفق مع التعريف السابق إذ يقول: "إنه وعاء تحليلي قادر على أن يضم عناصر مثل التاريخ والثقافة والموقف الأيكولوجي، والدين واللغة، والعلاقة مع الشعوب المجاورة، كما يتمثل في دراسات الطابع القومي واحد من أقوى المجالات للتكامل بين علم النفس والعلوم الاجتماعية الأخرى والارتباط بالمجال الأوسع للدراسات الشخصية والثقافية".

ويخرج "لويس مليكة" عن إطار المجتمع الواحد ليشمل المجتمعات أو الشعوب المجاورة، وتتداخل عناصر التاريخ والثقافة، والموقف البيئي، والدين، واللغة، وذلك على خلاف ما يراه (أريك فروم) الذي يشير إلى أن الشخصية القومية هي: "الشخصية الاجتماعية التي تشير إلى تلك السمات المشتركة بين مجموعهة معينة من الناس يعيشون في نفس المجتمع أو المعرضين بصورة عامة لتنشئة اجتماعة ومتشابهة".

ويبين (أريك فروم) في تعريفه هذا، أن النشأة الواحدة والتربية الواحدة إنما تكون نتيجة للوجود داخل المجتمع الواحد، وتشابه ظروفه الاجتماعية، ويتفق معه في هذا التعريف أيضاً (دافيد ريزمان) بأن الشخصية الاجتماعية هي هذا الجزء من الشخصية، والذي يكون مشتركاً بين جماعات اجتماعية ويكون نتاج خبرة أو تجربة تلك الجماعات، ويؤيدهما في هذا أيضاً عالم التحليل النفسي (كاردنار) في مفهومه للشخصية القومية إذ يقول: إنها "ذلك الشكل من الشخصية المشترك بين السواد الأعظم من أبناء المجتمع نتيجة خبراتهم السابقة المشتركة".

وهذه الخبرات السابقة والمشتركة تصنع الشخصية الجمعية لشعب ما، مع تأثر هذا الشعب أو هذا المجتمع بالجوانب الثقافية.

وهذا المفهوم للشخصية القومية نبع أساساً من علم الأنثروبولوجيا الثقافية وهو يُعنى بدراسة الشخصية في الثقافة ودراسة الناس في وضعهم الاجتماعي وليس دراسة الأفراد المنعزلين عن المجتمع.

ويتضح لنا أن القومية هي علاقة تجمع بين صفات وخصال مجموعة من الأفراد داخل مجتمع واحد له ظروف اجتماعية وثقافية واحدة أو بين المجتمع والمجتمعات المجاورة له، حيث تجمع بينهم عناصر متشابهة، لكنها تعنى بجوهر الأشياء فالعلاقة هنا خارجية.

أما الهُويّة فهي: "مبدأ يعبر عن ضرورة منطقية تفضي بأن يكون كل معنى يتصور على أنه عين ذاته فلا يتغير الحال، وما هو صادق دائماً وفي مختلف الأحوال والموجود هو ذاته دائماً لا يختلط به غيره وتلتبس به ما ليس منه ويسمى بمبدأ وحدة الذات".

ومن هنا يتضح أن الهُويّة تعبر عن أصل الشيء الذي لا يتغير والصادق دائماً والموجود دون أي اختلاط به، وكما جاء في تعريف معجمي آخر أن الهُويّة هي: "حقيقة الشيء أو الشخص وهذه الحقيقة هي التي تميز هذا الشيء أو الشخص عن غيره وهي تطابق في هذا المعنى كلمة (هو. هو) التي تعني ثبات الشيء بالرغم مما يطرأ عليه من تغييرات، فالجوهر (هو. هو)، أو هو نفسه وإن تغيرت أعراضه.

وقد يسمى ما به الشيء هو هو "ماهيته" لكن "الماهية" عند ابن سينا - وهو يتفق في ذلك مع أرسطو - هي مطلب ما هو. أما الجرجاني فيقول: إنها "مقول في جواب ما هو". فيحدد "الجرجاني" مفهوم الماهية والحقيقة والهُويّة والذات والمدلول والجوهر.. وهي أحياناً ما تطلق على سبيل الترادف. كما يشير إلى علاقة "الهُويّة" بالتميز والخصوصية وهو ما أكده "الفارابي" أيضاً حين قال إن: "هُوية الشيء، وعينيته، وشخصه وخصوصيته ووجوده المنفرد له الذي لا يقع فيه اشتراك".

ومن هنا ندرك الفرق، وأنهما مصطلحان ثقافيان، الأول أنثروبولوجي والآخر فلسفي.