يتزايد في الفترة الأخيرة عدد التقارير التي تشير إلى أن العالم على أبواب أزمة اقتصادية خلال العامين القادمين. وهذا ليس مصادفة. فالحروب التجارية التي يمكن أن تتطور إلى حروب مالية، بالإضافة إلى دخول منظمة التجارة العالمية إلى غرفة العناية المركزة، كلها أمور تثير قلق المستثمرين والمستهلكين في آن واحد. وهذه المخاوف ناجمة عن الشكوك التي تنتاب كافة المشاركين في العملية الاقتصادية حول المستقبل. وأحد علامات ذلك تلاشي الفوارق على عائد سندات الخزينة الأمريكية لعامين و10 أعوام.

وهذا يؤثر علينا. فأنا أتذكر ديسمبر عام 2005م، وأنا في طريقي إلى المملكة المتحدة لأخذ دورة عن حوكمة الاقتصاد. ففي أواخر ديسمبر من ذلك العام كانت التقارير الاقتصادية تشير إلى أن الدولار سوف ينخفض عام 2006م بنسبة قد تصل إلى 35 %. وقتها لم تكن عندي لا الخبرة ولا الجرأة لتسييل ما لدي من أسهم قليلة.

ولكن هذه التقارير التي قرأتها وأنا متوجه إلى لندن لم أقرؤها وحدي بالتأكيد؛ وإنما قرأها العديد من المستثمرين من ذوي الخبرة والمراس. ولذلك كانت ردة فعلهم الفورية الخروج من منطقة الدولار بتسييل محافظهم واستثمار مبالغها في مجالات أخرى كالذهب أو أخذها للخارج وتوظيفها في مناطق غير دولارية مثل أوروبا وغيرها. وكانت النتيجة، مثلما نعرف، انهيار سوق أسهمنا الذي شهدناه بداية عام 2006م والذي لا زالت السوق تعاني من آثاره حتى الآن.

اذًا ونحن الآن أمام تقارير مشابهة لتلك التي صدرت نهاية عام 2005م، فإن السؤال الذي يثار هنا: هل سوف نواجه نفس السيناريو وخروج كبير لرؤوس أموالنا إلى مناطق أخرى وانخفاض السيولة في الاقتصاد؟

  بالتأكيد هناك مخاطر لتكرار ذلك السيناريو. فرؤوس الأموال بطبيعتها حساسة أمام المخاطر. ولكن دروس عام 2006م، لعلها تكون لم تنسَ بعد، وخاصة من قبل هيئة السوق المالية قبل غيرها والتي لم تكن لديها الخبرة ولا الكفاءة للتعامل مع الموقف عام 2006م. 

  الأمر الآخر أصحاب رؤوس الأموال أنفسهم وكبار المستثمرين في سوق الأسهم. فهم لا بد وأن يتذكروا ما حل برؤوس الأموال التي أخذوها للخارج عام 2006م. فهذا الهروب من بلدهم لم يدر عليهم الأرباح التي توقعوها. بالعكس فقد جاءت الأزمة المالية بعد عامين، أي في عام 2008م، وحرقت معها الأخضر واليابس. فأزمة الرهن العقاري التي تحولت الى أزمة اقتصادية ومالية عالمية لم تفرق بين منطقة دولار ومنطقة يورو. وما ربحه أصحاب الأعمال خلال 2006م-2007م، قد ذهب وقوداً للأزمة التي طالت أوروبا مثلما طالت غيرها من مناطق العالم.