تعليم الكتابة الإبداعية لا يجد ترحيباً كبيراً في الأوساط الأدبية بعالمنا العربي، لأسباب ودعاوى عديدة؛ منها مثلاً أن الإبداع الأدبي لا بد أن يعتمد في الأساس على الموهبة الفطرية والسليقة..

كتابان - أعدُّهما من وجهة نظر شخصية - من أهم ما كُتب وأُلّف في الكتابة وتعلُّمها؛ سواء اتفقنا مع الرأي بأنّ الكتابة كتقنية وفن يمكن تعلّمها أم لم نتّفق. المهم أنّ الكاتبين ينطلقان من نقطة تقاطع فهم مشتركة، وهي ضرورة الورش التدريبية لإتقان هذا الفن، وأن الكتابة يمكن دراستها وبالتالي فإنّ مقولة أنّ" الكُتّاب يملكون وصفة سحرية" مقولة صحيحة وقابلة للتحقّق من خلال تلك الورش التدريبية التي تمنحه الأدوات اللازمة لاكتشاف صوته الخاص وتطوير أسلوبه وامتلاك التقنيات بصرف النظر عن ما سينتجه بنفسه بعد امتلاك تلك الأدوات.

الكتاب الأوّل هو "لياقات الكاتب" لدوروثي براندي صادر عن دار كلمات وقام بترجمته فريق ضاد/ غزّة.

تجدّد دوروثي الأمل لمحبّي الكتابة وعاشقي الكلمة والأدب وتشخّص بذكاء رهيف العقبات والمثبطات التي تعترض أي راغب في الكتابة والإبداع؛ تضع يدها على المشكلة من خلال تجربتها في محاولة الكتابة إذ تؤكّد أن الأدب وموضوع الكتابة الأدبية على الرغم من الخيبة التي منيت بها من كثير من الكتب، والورش التي حضرتها، لم تعرف سبب الخيبة إلا عندما انضمّت لطاقم المعلمين في هذا المجال مشيرة إلى أنّ أُس الخيبة يكمن في أن الصعوبات التي يواجهها الطالب المتوسط أو الكاتب الهاوي بدأت مبكرًا، قبل حتى أن يأتي للمكان الذي سيعطيه آليات كتابة قصة وهو للأسف آخر من

يعلم، وعلى الأرجح سيتوقف هذا الطالب عن حضور مثل هذه الورشات في حال عرف السبب الحقيقي لمشكلته مع الكتابة؛ ولكنه لا يعلم كيف تمكن الكاتب الناجح من تجاوز المشكلات الصعبة والتي تقف حجر عثرة في طريقه؛ فيميل إلى الاعتقاد بأن هؤلاء الكُتّاب يمتلكون وصفة سحرية، أو على الأقل خدعة تجارية تدفعهم للاستمرار في نشر أعمالهم، ويعتقد أنه سيجد هذه الوصفة السحرية في إحدى الورش التدريبية، وستفتح مغارة علي بابا أمامه، ويستمر في المداومة على هذه الورشات كطالب نشيط مدفوعًا بأمله فى تلقي هذه الوصفة السحرية، ويتعلم أثناء ذلك سلسلة من أسس بناء الحبكة، وآليات خلق الشخصيات، ويتعلم كل ما لا علاقة له بمعضلته الأساسية، وسيقوم بشراء، أو استعارة كل كتاب يحمل كلمة «أدب» على غلافه، وسيشتري كل ملخص يشرح فيه المؤلفون أساليبهم في الكتابة. وتخلص الكاتبة دوروثي إلى أن إحدى العبرات المثبطة هي " العبقرية لا يمكن تعليمها" لتكتشف أنّها عبارة مضلّلة ومنفّرة وتحرمه من رسم صورته الخاصة للعالم باسم "عبقرية" معتبرة أنها المسمار الأول في نعش الأمل لكل كاتب مبتدئ.

الكتاب ثري وعميق ومليء بالطرق والتقنيات المساعدة في تكوين الثقة بالنفس ومعرفة الأساليب والمعوقات التي تصادف - عادة - كلّ مبتدئ في مضمار الكتابة.

أما الكتاب الآخر فهو بعنوان "الحكاية وما فيها" لمحمد عبدالنبي والذي يعلن فيه الكاتب في مقدمته أنه لن يمنح قارئه عصا سحرية تجعل منه كاتباً مرموقاً بمجرّد قراءته؛ فغاية ما هنالك أنه سوف يشجّعه على ممارسة الكتابة بانتظام وفي إطار منهجي، وبالتدريج خطوة بعد خطوة.

يشير كذلك الكاتب إلى مسألة مهمة؛ وهي أنّ مسألة تعلّم وتعليم الكتابة الإبداعية لا تجد ترحيباً كبيراً في الأوساط الأدبية بعالمنا العربي، لأسباب ودعاوى عديدة؛ منها مثلاً أن الإبداع الأدبي لا بد أن يعتمد في الأساس على الموهبة الفطرية والسليقة، وأن ذلك النوع من الإرشاد والتوجيه قد يشوش أو يشوّه حتى تجربة المبدع العفوية الحرة.

يميل الكاتب إلى التأكيد على أهمية الورش التدريبية وتعلّم الكتابة فيؤكد أنه مع تسلمينا بأنه لا يمكن الادّعاء أننا لسنا بحاجة إلى موهبة أو درجة من الاستعداد المبدئي لممارسة أي نوع من الفنون، أو حتى بعض المهن التي تحتاج إلى مهارات خاصة غير أنه لا يوجد فنٌّ في غنى عن التدريب لممارسته.

قيمة هذا الكتاب أن المؤلّف - ولسنوات عديدة - بحث وقرأ ودرس في مصادر عديدة سواء كتب أو مواقع إنترنت منها المكتوب بالعربية أو مترجم، فالكتاب ثمرة بحث دؤوب وجاد وعميق فضلاً عن الورش التدريبية العديدة التي التحق بها متدرّباً ثم مدرّباً ليختم بالتأكيد على أهمية الورش التدريبية وما تفعله في نفوس المتدرّبين من تشجيع على العمل والإنتاج في إطار منظّم بعيداً عن أهواء المبدع ونزق تجلّياته وتقلّباته واستسلامه لأوهام الوحي وانتظار الإلهام.