الإنسان إما أن يكون ممن ابتلي بالضراء، فهو بحاجة ماسة إلى اللجوء إلى ربه الذي لا يكشف اللأواء غيره؛ ليكشف عنه ما به؛ وليرزقه الصبر والاحتساب، وإما أن يكون ممن ابتلي بالسراء، فهو جديرٌ بأن يدعو ربه؛ ليديم عليه النعمة ولا يشمت به العدو، وأن يرزقه شكر نعمته، ويكفيه شر الأشرار وكيد الفجار..

الدعاء عبارة عن لجوء العبد إلى ربه، واستجدائه لعظيم نعمته، وإبداء فاقته إلى خالقه، وحافظه ورازقه، ولا يمكن لإنسان - وإن سيقت إليه نعم الدنيا، وأُلهم الاجتهاد في العبادات وأنواع البرّ - أن يستغني عن الدعاء بخيرِ الدنيا ونعيم الآخرة، والاستعاذة من شرورهما، أما الحاجة إلى الدعاء بخيرِ الدنيا والاستعاذة من شرِّها، فالإنسان إما أن يكون ممن ابتلي بالضراء، فهو بحاجة ماسة إلى اللجوء إلى ربه الذي لا يكشف اللأواء غيره؛ ليكشف عنه ما به؛ وليرزقه الصبر والاحتساب، وإما أن يكون ممن ابتلي بالسراء، فهو جديرٌ بأن يدعو ربه؛ ليديم عليه النعمة ولا يشمت به العدو، وأن يرزقه شكر نعمته، ويكفيه شر الأشرار وكيد الفجار، وأما الحاجة إلى الدعاء بنعيم الآخرة والاستعاذة من عذابها فإن الإنسان إما مقصر يقترف السيئات، ويتكاسل عن الحسنات، فهذا محتاجٌ إلى إدمان الدعاء لعل الله أن يخرجه من مصافِّ العصاة إلى زمرة السعداء، وإما منيبٌ إلى ربه فهذا لا يستغني عن الدعاء بأن تقبل منه أعماله الصالحة، ويحفظ من تلبيس إبليس، ويُختمَ له بالحسنى، وكيف يُتخيّلُ أن التقوى تغني عن الإلحاح في الدعاء، ومن صلب أعمال المتقين الدعوات؟ وقد كان إمام المتقين صلى الله عليه وسلم مُكثراً من الأدعية في أوقاته وأحواله، وكذلك سائر الأنبياء عليهم السلام، وقد قصّ الله علينا بعض أدعيتهم وابتهالاتهم في كتابه الحكيم، وإذا تقررت ضرورية الدعاء وسواسية الناس في الحاجة إليه، فمن اللائق التنبيه على بعض الفوائد المتعلقة به من خلال الوقفات التالية:

الوقفة الأولى: للدعاء آداب مستحبة ينبغي أن يراعيها الداعي منها أن يكون خاشعاً مخلصاً لله في دعائه، مخبتاً إليه مقبلاً بقلبه على ما يدعو به، وغير هذا مما استنبطه العلماء من الآيات المشيرة إلى آداب الدعاء كقوله تعالى (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، وقوله: (وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً)، والآياتِ التي تضمنت وصفاً لأحوال من دعوا الله فاستجاب لهم كقوله تعالى: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ).

الوقفة الثانية: استغلال أوقات وأحوال يكون الدعاء فيها مُستجاباً، فلا ينبغي أن يهمل المسلم الدعاء فيها، أو يتقاعس عن انتهاز فرصتها، ويُخشى على من لا يُلقي لها بالاً أنه محروم، فمن الأوقات المستجاب فيها يوم عرفة، وساعة يوم الجمعة، والثلث الأخير من كل يوم، ومن الأحوال السجود، والسفر، وحالة الاضطرار، كما أن الإجابة قد تتعلَّق بصفةٍ في الداعي كدعاء الوالد لولده، ودعاء المسافر، ودعاء المظلوم، وغير ذلك.

الوقفة الثالثة: منهيات يجب أن يتجنّبها الداعي، ومنها القنوط في الإجابة، وأن يستعجل الداعي فينطوي الداعي على نتيجة سلبية مفادها أن دعاءه هدرٌ حيث لم يُستجب له، وهذا من موانع القبول كما يدل عليه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المتفق عليه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي"، ومن المنهيات في الدعاء الاعتداء فيه، ومما ذكره العلماء من أنواع الاعتداء في الدعاء الجهر الكثير والصياح، وأن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي، أو يدعو في محال، ونحو هذا من الشطط، وأن يدعو طالباً معصية، أو يدعو بقطيعة رحم.

الوقفة الرابعة: لا يختصُّ الدعاء بحاجة دون أخرى، بل اللائق الدعاء في كل مُهمٍّ دنيوي وأخروي، فكما يُدعى في أشدِّ المواقف خطورة وحرجاً من كل ما يُهددُ الحياة كاستغاثة يونس بربه في بطن الحوت، ودعوة أصحاب الغار ربهم بعد ما انسدَّ عليهم الغار، كذلك يُدعى في جميع المصالح مهما كانت، فالأمور كلها بيد الله تعالى، وينبغي أن يكون المسلم شديد التعود على دعاء ربه، وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "إني لأدعو في صلاتي حتى لشعير حماري وملح بيتي".

الوقفة الخامسة: يجب الكفُّ عن الدعاء على النفس والأسرة من زوج أو زوجة، بل الحذر عن الدعوة على المسلمين كافة، ففي هذا محاذير جمّة، بل هو مُناقَضةٌ لما أُمر به المسلم من الدعاء لنفسه ولأسرته وللمسلمين بالخير، فإذا كان من المشروع في تشهد الصلوات أن يقول المسلم: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فكيف يقلبُ القضية ويدعو على نفسه وعلى المسلمين؟