ظهور سمو ولي العهد في الأرجنتين رسالة واضحة من السياسة السعودية التي نجحت بتعاملها المتزن وبثت المزيد من الدفء في الشتاء العالمي القادم.. فالسعودية أصبح من الواضح للجميع أنها تملك القدرات والإمكانات لتغيير المناخ العالمي في اللحظات المهمة..

قبل الثاني من أكتوبر الماضي شيء مختلف عما بعده، والحدث المعروف والذي فقد فيه مواطن سعودي أثار الكثير من الأسئلة، والحقيقة أن القضية يجب أن تكون أبعد من معرفة المناصرين والمناوئين فقط، لأن القضية الحقيقية هي اختبار فعلي نجحت فيه السياسة السعودية من أجل الخروج من هذه الأزمة بمهارات دبلوماسية قادرة على التحرك بخفة بين ممرات عاصفة على جميع المستويات سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية، اليوم يستطيع العالم أن يتحدث عن السعودية بشكل مختلف لأن هذه الأزمة ساهمت في إعادة الدرس التاريخي عن السعودية ومكانتها في النظام العالمي.

لا أحد يشك أن السعودية بيت العرب وقبلة المسلمين يمكنها أن تسهم دائماً في تدفئة الشتاء العالمي، وقد حدث هذا عبر تاريخها، ولكن ليس الهدف هنا مرتبط بأسعار النفط بشكل مباشر بل القضية أبعد من ذلك وتصل إلى الثقافة السياسية التي تتبعها السعودية في تعاطيها مع مثل هذه المسائل، ولعل السؤال الذي يجب أن ننتظر إجابته هو: كيف استطاعت السعودية تدفئة الشتاء العالمي في قضية مهمة أثارت الكثير من الأسئلة ورسمت الكثير من السيناريوهات؟

في البداية لا بد من جدال فكرة مهمة وهي أن التفسيرات السعودية للقضية عانت الكثير من الهجوم عليها والتشكيك في معطياتها إعلامياً وسياسياً، ومع ذلك ظلت ثابتة وتسير في اتجاه واضح منحها القوة مع تقادم الزمن، ولم تستجب هذه التفسيرات لمعطيات جانبية، مما فتح الأبواب أمام السياسيين والإعلام والمحللين بصرف النظر عن موقفهم، أن يعتبروا التفسيرات السعودية مرجعية صلبة لفهم القضية مهما كانت السيناريوهات التي تطرح في الجانب الآخر من القضية، شيء مهم يجب فهمه بدقة يتمثل في أن فكرة التسريبات التي كانت تمرر عبر قناة فضائية ساهمت وبشكل دقيق في تعزيز مستوى الشكوك في تلك التسريبات والسبب أنها لا تصل أبداً إلى حقيقة واضحة بل تعود إلى المربع الأول مع كل تسريب.

هذه الأبواب الإعلامية جندت الكثير من إمكاناتها، ولكن ظل السؤال المهم في كيفية إدارة هذه الأزمة من قبل المهاجمين، لقد كان الهجوم يزداد بحجم التسريبات وليس بحجم البحث عن الحقيقة في شقها القانوني، لذلك ذهبت قناة الجزيرة الفضائية على سبيل المثال في تكرار ما تحصل عليه من تسريبات دون دعم قانوني من قبل المسربين، وماذا سوف يتخذون من إجراءات في مقابل ما يملكونه من معلومات، هذه الفكرة اربكت القضية الإعلامية وضللتها كثيراً، على الجانب الآخر كانت البيانات السعودية تتطور بحسب توفر الحقائق ووصلت في النهاية إلى بيان يتحدث عن إجراءات وليس تسريبات وكانت المطالب الأكثر إلحاحاً من الجانب السعودي أنه يرحب بكل الحقائق مهما كانت.

الأزمة في مستواها الإعلامي تميزت بخطين متساويين ولكن الفرق بينهما أن الجانب السعودي ظل ثابتاً صبوراً لا يستجيب للإثارة الإعلامية، لذلك أصبحت البيانات السعودية مرجعية تتم المقارنة من خلالها، وهذا ما منحها القوة، وهنا يبدو أنه لا مفر من الاعتراف من قبل الجميع أن المعالجة السعودية قانونياً كانت دافئة وعميقة وتجيب على الأسئلة كما هي وبهدوء، وهذا ما جعلها متحررة من التناقضات مع أن هناك من حاول أن يتهمها بذلك، وهنا تكون القضية قد أغلقت إعلامياً لأن جانب التسريبات استنفد كل قواه أمام البيانات الرسمية التي سوف ينطوي عليها إجراءات قانونية سوف تتخذ.

في الجانب السياسي يمكن أيضاً إثارة ذات السؤال حول الكيفية التي استطاعت بها السياسية السعودية تدفئة هذا الشتاء العالمي في هذه القضية؟ السعودية بطبيعتها كدولة ومكانتها تمتلك تميزاً دولياً، والسبب أنها تكاد تكون الأكثر تأثيراً على الدول الكبرى في العالم والنظام العالمي، فهي وعلى مر تاريخها تتبادل النظرات السياسية بثقة مع الدول القوية، كونها تمتلك مكونات هذه القوة وهذه اللغة، أي لغة المصالح الاستراتيجية والقومية والاقتصادية هي الأكثر فهماً لعالمنا اليوم.

السياسة السعودية حصلت على المزيد من القوة بعد هذه الأزمة وخاصة أن الدول الأكثر تأثيراً تعاملت مع السياسة السعودية وفق أسس راسخة في إطار نظام عالمي تشكل فيه السعودية ركناً مهماً، لقد كان ظهور سمو ولي العهد في الأرجنتين رسالة واضحة من السياسة السعودية التي نجحت بتعاملها المتزن وبثت المزيد من الدفء في الشتاء العالمي القادم، فالسعودية أصبح من الواضح للجميع أنها تملك القدرات والإمكانات لتغيير المناخ العالمي في اللحظات المهمة.