إن الباعث على فعل المعروف شيء زائد على اكتساب فعله حين يتعلق العمل بثواب وأجر، فكثير من الأعمال الإنسانية قد لا يلحظ فيها العامل مبدأ الأجر والثواب وإنما يفعلها امتثالاً لدافعه الخيري في نفسه و(إن الله لا يضيع أجر المحسنين)..

في كثير من نفوس الخلق باعث فطري لفعل الخير، جعله البارئ من مكونات الإنسان الأساسية، وما هيّأ الله له الإنسان من فعل الخيرات لا تكاد تدركها الأقلام، ولم يرتبط فعل تلك الإنسانيات بالتدين الذي جعله الله منظمًا ومُكملاً لما قد أودعه من أخلاقيات في طباع العالمين، وفي الحديث «كل مولود يولد على الفطرة» فالأديان التي تتابعت تترا على الخلق إنما هي لتنظيم وتشريع ما يستطيع الإنسان فعله، ولا أدل على ذلك من قول نبينا صلى الله عليه وآله: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وهذا ينبئ عن أخلاقيات ومكارم إنسانية كانت قائمة توارثتها الأجيال مسبقًا، وهو ما حرص النبي صلى الله عليه وآله على استدامته ومدحه والعمل على الحفاظ عليه لتبقى الإنسانية هي السقف الأوسع للعيش تحته حين تجهل الشعوب فهم مراقي التدين وتعجز عن الارتقاء بالعمل الإنساني إلى معارج القبول الإلهي، ومن سيرته صلى الله عليه وآله قبل البعثة ما كان يحدث به «لقد شهدتُ في دار عبدالله بن جُدعان حلفاً لو دُعيتُ له في الإسلام لأجبت» وكان هذا الحلف يرتكز على نصرة المظلوم ورد المظالم لأهلها.

إن الباعث على فعل المعروف شيء زائد على اكتساب فعله حين يتعلق العمل بثواب وأجر، فكثير من الأعمال الإنسانية قد لا يلحظ فيها العامل مبدأ الأجر والثواب وإنما يفعلها امتثالاً لدافعه الخيري في نفسه و(إن الله لا يضيع أجر المحسنين) بقطع النظر عن اكتمال شروط العمل لينال به صاحبه ثواب الدنيا والآخرة، فقد يصدر الإحسان وفعل الخير ممن لا يقام له ميزان يوم القيامة، ولن يذهب إحسانه هباءً، فإن الله يعطيه بها في الدنيا حتى لا يبقى له عند الله ما يحاجج به، وربما صرف عنه من السوء ونوائب الدنيا ما يزيد عن إحسانه بمراحل، وربما وفق بإحسانه وفعله الخير إلى باب يوصله لرضوان الله إذ لا جزاء لفعله إلا في الآخرة، وفي الحديث «بينما رجل يمشي بطريق، فاشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها، فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه فأمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له" فقالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ قال: "في كل ذات كبد رطبة أجر» والله لهذا الأثر المملوء بالإنسانية من خير ما نتعلمه ونعلمه، كيف لا وهو درس في الرحمة ينقله المرسل رحمة للعالمين!

وفي الحديث الآخر يحكي عن رجل لم يعمل خيرًا قط ولكن باعثه لفعل الخير حمله على إماطة غصن شوك عن الطريق فأدخله الله الجنة، ودرسٌ آخر يقص عن بغيّ رحمت كلبًا فسقته فغفر الله لها، كل ذلك تنبيهًا لإنسانية السامع على أن أفعال الخير والأعمال التي تنشرح لها النفوس ويبتهج لها الضمير كثيرة وكثيرة جدًّا، فالمسلم من حيث كونه إنسانًا لا يتوقف فعله للخير على معرفة ثواب العمل، ولا يقتصر على ما يجده في كتب الإرشاد والرقاق، بل لا بد من إحياء ما في النفس من حب لفعل الخير عفويًّا لمجرد كونه نفعًا، فإن الله قد أمر بإحياء ذلك بمثل قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى..) ولا يقتصر الإحسان على ما نعرفه من العبادات التي أمرنا بالإحسان فيها، ولكن كل ما فيه نفع ورحمة وخدمة للإنسان كان من المأمور بالإحسان فيه، وهو ما يتأتى من كثير من الناس عفويًا وحبًّا لنفع الآخرين.

وفي قصة موسى عليه السلام مع المرأتين دروس قيمة في فعل الخير وإعانة الغير، وكيف جلبت له شيمته وإعانته لهما من خير عظيم، ورزق كريم، حتى تأهل لينال شرف التكليم، بلا واسطة من العزيز الحكيم. هذا، والله من وراء القصد.