ثقافة الأمة "أي أمة" هي المعيار الحقيقي لما وصلت إليه من نبوغ فكري وإبداعي، فأنت تحكم على الأمة الراقية والعظيمة من خلال إبداعها، فإذا كان إبداعاً راقياً رفيعاً فهو يدل على نبوغ الأمة ورقيها، وإذا كان ضعيفاً هزيلاً فهو يدل على ضعفها وهزالها، بل جهلها وانحطاطها.

وعبر العصور يظل الإبداع الرفيع هو الذي يبقى خالداً مستعصياً على الفناء أو النسيان، وسواء كان هذا الإبداع فنياً لسانياً كالشعر وفنون النثر، أو إبداعاً يدوياً كالرسم والنحت والنقش والبناء والعمران والصناعة.

وكل حضارة إنسانية لها طابعها الذي يميزها عما سواها، فالحضارة الآشورية لها ثقافتها وطابعها، وكذلك الحضارة الصينية، والحضارة المصرية، التي لا تزال آثارها قائمة ماثلة تبرهن على ما وصلت إليه تلك الأمة من خلق وإبداع في معظم الفنون.

أما الحضارة العربية، فإن لها ثقافة مختلفة، تمتاز عما سواها بأنها ثقافة وإبداع عقلي ذوقي وهي ثقافة الشعر.. فالأمة العربية أمة شاعرة، وتعظيمها للشعر يجعلها تختلف عن بقيّة الأمم.. نعم الشعر عمل إنساني، ولدى كل الأمم، ولكنه عند العرب شيء مختلف يكاد تكون له قداسته.. ألم يعلقوه على أستار الكعبة، ويكتبوه بماء الذهب.. إن أمة تكتب شعرها بماء الذهب حريّة بأن يقال عنها إنها أمة الإبداع والسحر والجمال.. وإن أمة لها أسواق تعرض فيها الحلية الشعرية، وتفرز فيها روائع لوحاتها، لأمة فن خالد، وذوق رفيع..

وإذا كانت الصحراء توحي بالجفاف والعطش، فإنها في الوقت نفسه مصدر إلهام وإيحاء، فرائحةُ الخزامى والنفل والشيح والحنوة والحوذان، ومناظرُ الإشراق والغروب، ونقش السماء بالنجوم، وأغاني الرعاة والحداة، ورغاء الإبل، وعزف الريح وتنادي الفرسان، وأصوات القطا، وأهازيج السمار كلها عوامل إلهامٍ ومحفزات في مسرح الإبداع الفني، فهذه الأجواء المدهشة الحالمة ولدت وتناسلت منها قصائد الحنين، وقصائد الفروسية، وقصائدُ الفخر، وقصائد الحماسة، وقصائد الحب والهيام، التي تردد أصداءها الجبالُ، وكثبانُ الرمال، في نسغ التطواف والترحال، فالعرب كما أسلفت في مجملهم طوافون رحالون، منازلهم فوق رواحلهم، وكراسيهم هي صهوات جيادهم، يتبعون السحاب حيث مواطن الكلأ والماء.

لذا أيها السادة فإني أكاد أجزم أن تحت كل شبر من هذه الأرض رفاتَ شاعر، أو حربةَ فارس، أو حذوةَ حصان، أو قصيدة عشق وحنين.

وعندما نزل القرآن الكريم، كان إعجازه إعجاز لغة وعلم وقراءة.. كانت أول كلمة نزلت هي: اقرأ.. وهذا ما كثف الثقافة، وعزز مكانة اللغة والبيان.. فانتشرت على ألسن الأمم الأخرى وهي تحمل معها كونيتها وطاقتها الإبداعية، ممتزجة بثقافات تلك الأمم لتصنع نسيجاً ثقافياً عظيماً يمثل هوية الأمة الثقافي.. وحينما رحلت الخلافة من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام والعراق والأندلس، ورحل معها الفرسان والشعراء والعلماء، نسيت هذه الجزيرة وأُهملت، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، فأصابها الوهن والضعف في منبتها الأصلي، وتحولت الجزيرة العربية إلى مجاهل يسكنها الخوف والجهل والتخلف، وماتت الثقافة، ومات معها الشعر الأصيل لتظهر فيما بعد ثقافة هجينة، ومعها أدب وشعر أمي هجين، كنتيجة حتمية لغياب الثقافة الأصيلة، وظلت هذه الجزيرة في غيبوبة، وغياب تام عن الثقافة العربية، منسلخة بذلك عن أمتها، منقطعة عن كل أسباب المعرفة والإبداع.