أحياناً يخذلك القلم حينما ترغب بالكتابة عن موضوع ما، لكنك تقاوم، لا تستطيع أن تحيد عنه.. تنساق في ثناياه.. تتواصل مع كلماته.. لا تعلم كيف بدأته، ولا حتى كيف تنهيه، يتلاعب بك وتضطرب لديك الأفكار، فتتلاطم الكلمات ليس إلا أن هذا الموضوع مشحون بألم الرحيل.. حيث لم أكن أتصور أن فقد الأصدقاء يغشى العقل ويشتت الأفكار، بل ويدمي الروح ويفتتها ألماً.. لذا كان خبر وفاة الأخ والصديق والإعلامي المعتد بقلمه شايع المسعر - رحمه الله - كسراً جديداً في أضلعي، تاركاً الروح تبث ألمها إلى النفس والقلب بسؤال فحواه: لماذا عجلت بالرحيل يا أبا محمد؟!

أؤمن بأن الأرواح بيد الله لكن كان الخبر مدوياً مؤلماً صاعـقاً، مع علمي أن أبا محمد كان يكافح العلل والأوجاع بالصبر والصمت كسلاحين يريد أن يُطمئن بهما محبيه حتى لو احتضنته المستشفى لأسابيع ويخرج منها على سيرته الأولى منطلقاً شغوفاً يخفي علته تحت أضلعه في قلبه الضعيف، ليأتي موته المفاجئ ليشعرني لوهلة أن القلوب البيضاء من الممكن أن تنهار فجأة، لتحيل قلوبنا نحن المحبين لها إلى مرتع للحزن والألم.

النبيل شايع الذي ترجل باختياره من صهوة العمل الإعلامي المهني ألماً على حال لم يرغب في أن يكون شريكاً فيها، إلا أنه ظل الإنسان عبر أثره في القلوب التي بادلته حباً بحب، فهو الإنسان الودود، الكريم جداً حد «الإفلاس»، لم يسع أبداً للشهرة ولم يرد من عمله سوى أن يكون منجزاً منتجاً مفيداً لوطنه مفيداً لمهنته.

في مأثر الصديق الوفي أبا محمد أشهد الله أنه ودع الدنيا ليجد أفضل منها بإذن الله من فرط ما واجهه من إنهاك وعثرات رغم أنه صانع للخير مبادر بالإحسان في ظل خصلة كريمة نبيلة يعرفها كل من عاشره تتمثل بكرامة النفس والتسامي عن الصغائر.. ليكون وداعه مجالاً لتذكر كلماته وهو يردد أنه أراد أن يركن إلى التقاعد لأنه لا يريد أن يكون كماكينة يشحنها يومياً كي تستمر بالعمل، لا تلوي على راحة أو تبحث عن تقاعد، وهو ما نفذه على نفسه - رحمه الله - حينما قذف بكل المغريات جانباً ليركن إلى التقاعد الكامل.. لكنه لم يفعل ذلك تماماً لأنه حمل هموم بلاده وشغفه بها ودفاعه عنها وأجلسها بجانب تقاعده من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

شايع أيها الصديق العزيز، لن يحجبك الثرى عنا فأنت قطعة من القلب وجزء من الذاكرة، موقنون بأنك حاضر بيننا وصداك سيستمر جميلاً، ولا يسعنا في وداعك إلا أن نقول: هنيئاً لك ولأبنائك ما تركته من سمعة طيبة وسجل مضيء بمكارم الأخلاق.