من هؤلاء الذين يرشحون أنفسهم عرباً أو إعلاميين؟ إنهم لا يمتلكون وعياً ولا مهنية ولا أمانة سوى طول اللسان والكذب وتغييب الوعي، والحقيقة التي لا يعرفها سوى الإعلامي الحق وصاحب الكلمة..

جعجعة بلا طحن! فطواحين الهواء تدور في الفراغ لا يحركها إلا الهواء! وهي عادة تنتج لنا غذاءً نعتمد عليه. ولكن حين تحركها الأهواء أجارنا الله وإياكم، تنتج لنا دماراً وكراهية وتمزقاً وتشتتاً وقل ما تشاء.

كنت قد كتبت عملاً مسرحياً بعنوان "الطاحونة" وتتلخص قصته في ذلك العجوز الطامع القاتل مالك الطاحونة، والذي يعامل أبناءه بقسوة حتى هربوا من المنزل وتختفي زوجته الحامل عن الأنظار، يبرر الرجل لأهل القرية غيابها بأنها هربت مع عشيقها ويتزامن ذلك مع تعطل الطاحونة التي لم تعد تدور فيبرر لهم ذلك بأن الهواء قد توقف. ثم يحمل لهم سائلاً أحمر يسقيهم به كل مساء، حتى أصبحوا مسخاً مشوهاً إذ إنهم لا يتغذون إلا على منقوع حبات من القمح في هذا السائل، والرجل يجمعهم كل مساء يتسامرون على سيرة زوجته! وفي النهاية نجد أنه من قتلها طحناً بين تروس الطاحونة، وأن ذلك السائل الذي يعبون منه ويتسامرون عليه كل مساء هو دمها!

وهي بالنسبة لي بلا شك حين كتبتها في العام 1997 إحالة إلى الهوية العربية التي نتسامر كل مساء عليها وعلى معاولنا التي تشج رأسها كل مساء، ونستمع إلى ذلك العجوز الذي حولهم جميعهم إلى مسخ مشوه.

إننا كنا نعيش زمناً ليس بالقليل في تزييف الوعي ومن التخدير الإعلامي والفني، فتحولنا جميعنا إلى متخدرين نصدق كل ما يقال وكل ما يرى على شاشات الإعلام المغرض العليل وللأسف قد نجح في تلك الفترة التي لم تكن بالقصيرة.

لم يعد بخافٍ على أحد ما "تثغثغه" تلك القنوات الطامعة في إرث حبانا إياه الله عز وجل، فشرعوا يستأجرون الإعلام العالمي وبعض العربي لترويج ثلغاتهم القذرة، لكنها لم تعد تنطلي على أحد، فقد انكشف زيفهم وخاب مسعاهم. فها هو محمد بن سلمان يطوف العالم وتحتفي به الدول وتقدم له أرفع الأوسمة، فهل فقدت الجزيرة شرفها؟!

ماذا تريد الجزيرة وتابعوها منا؟ ومن حكامنا ومن دولة تذهب إليها الأبصار والأفئدة في كل بقاع أرض الله؟

أعتقد أن الدافع الأساس ليس المال وسلطته فحسب وإنما الإحساس بالدونية وبتضاؤل الحجم ونحن نسميه في الدراما (الباحث عن دور)!

ألم يسمع هؤلاء عما يسمى بالهوية العربية وبالعروبة؟ أولم تتفتق قلوبهم ذات مرة بما يسمى بحب الأوطان! أولا يعلم هؤلاء أنهم يقتلون ذاتهم وعروبتهم بأيديهم! أولا يكفيهم ما حدث في العراق وليبيا وفلسطين واليمن، وكأن كل الخونة العرب يعلنون عن أنفسهم لخدمة إسرائيل.

من هؤلاء الذين يرشحون أنفسهم عرباً أو إعلاميين؟ إنهم لا يمتلكون وعياً ولا مهنية ولا أمانة سوى طول اللسان والكذب وتغييب الوعي والحقيقة التي لا يعرفها سوى الإعلامي الحق وصاحب الكلمة.

نحن ندافع عن أوطاننا وعن عروبتنا التي تجري لها حياكة الدسائس في الأماكن المظلمة، ولعلنا نستجلي الأمر أن الزمن لم يعد الزمن ولم يعد المتلقي هو المتلقي، فالاستنارة قد حدثت، ونحن نرصد ونحلل ونتابع.

ومن مصابيح هذه الاستنارة جولة سمو ولي العهد محمد بن سلمان سواء في الخليج أو في مصر أو في تونس ثم إلى الارجنتين ليمثل دول جنوب غرب آسيا في مؤتمر دول العشرين. ورأيناه قائدًا عظيمًا يُستقبل استقبال الملوك والفاتحين وتتراص الشعوب على الطرقات للترحيب والاحتفاء على المستوى الرسمي والشعبي، فتهدى له أعلى القلائد في الجمهورية التونسية حباً وتكريمًا ووسامًا على صدره وعلى صدر كل سعودي، وذرة ملح في أعين الأعداء والمتشدقين بالحقيقة فهم ليسوا أهلاً لها.

إن ما مرت به المملكة من أزمة لم تكن سوى (شذياً في جنب بعير) كما يقال، وحقيقة الأمر أن الدولة قد أدارت هذه الأزمة بكل خبرة وبكل مهنية تدرس في أكاديميات إدارة الأزمات، فكل الامتنان لكل من أدار هذه الأزمة التي عبرت مع أول ضوء، فأصبحت شذياً في جنب بعير.