تنطلق قمة مجموعة العشرين التي ستزدهي بحضور سمو ولي العهد والتي سيكون فيها خير ممثّل لبلاده يصنع القرار ويخلق الفارق ويبصم علامة التميّز الاقتصادي في حضوره البهيّ ليؤكد للجميع أنّ المملكة هي الأفُق السياسي والدولي الذي لا يمكن تجاوزه..

في رأي لا يخلو من استبصار سيكولوجي يقدّم لنا علم النفس السياسي تفريقاً وتمييزاً جليّاً بين الوعي واللاوعي السياسي فيؤكّد: إن كُنّا نعني بالوعي السياسي المعتقدات، القيم والمواقف التي تقف وراء خيارات الناس السياسية وأفعالهم، إذن فإنّ شيئاً من التأمل يدل على أن كثيراً من الوعي السياسي هو بالحقيقة لاوعي، أو على الأقل هو وعي ناقص وغير مترابط. فعلى الرغم من أن الأفراد، حين يُسألون، يمكن أن يتحدّثوا عن معتقداتهم السياسية ويُعطوا أسباباً لخياراتهم السياسية، إلا أن تلك الأحاديث والتفسيرات غالباً ما تبدو جزئية وغير صالحة -إن لم تكن مضللة كلياً- للمراقبين الغرباء.

الحقيقة الصادمة أننا نشهد حاليّاً حالة من الفوضى والتنمّر وتفشّي غير عادي للكراهية والحسد والمناكفة والمشاكسة غير البريئة التي يصطبغ بها سلوك بعض من حولنا سواء أكانوا أفراداً أو دُولاً مما أضفى قتامة وضبابية على الصورة البانورامية لعالمنا الذي باتت تتعولم فيه ثقافة التطرف والعنف الرّمزي والإرهاب الفكري والجسدي المخضّب بالدم وبشكل لم يسبق له مثيل.

عالم يسير بسرعة جنونية ومهولة لا تؤدي إلى دروب الخير للمجتمعات؛ بل إنها تسير على غير هدف ولا هُدى في "دروب تؤدّي إلى لا مكان" كما يقول مارتن هايدغر؛ وكأنّنا شعوب بلا أدنى وعي أو ثقافة على اعتبار أنّ الثقافة هي الخارطة الذهنية التي تقدّم المعرفة لإرشاد السلوك السياسي.

ما الذي يدعو للتوطئة بهذه المقدمة السريعة؟ وبهذه النبرة التي لا تخلو من تفجُّع وأسف؟

إنّها فداحة الخيبة من الأُمّيّة السياسية التي يجبهك بها كثير ممن حولنا سواء من العرب أو الغرب؛ وكذلك كمية الحسد غير المبرّر من حضور بلادك بهذه الضخامة والجسارة والقوّة والفاعلية والتأثير؛ وهو حضور مُستَحق لا شك ومُسوّغ عقلاً ومعياراً وقيمة؛ فأنت تتحدّث عن دولة قارعت المستحيل والتحديّات والأخطار؛ وبفضل إرادتها وإيمانها بقدراتها ومشروعاتها الفكرية والسياسية والاقتصادية بعد توفيق الله، تمكّنت من تحقيق أهدافها.

لم تستنِم على الأحلام ولم تتوقّف طموحاتها على نسج الأفكار الطوباوية في خلسات الكرى؛ بل نحتت في صخر المستحيل فانبجس ماء الخير والنماء والرفاه وكلُّ مخبوءات الرزق الحلال ونفائس العطاء من لدن رب كريم.

ليس مفاجئاً أن تتناوشك مناكفات سياسية من هنا وهناك تبعاً للاختلافات والتباينات في وجهات النظر التي تنطلق من خلفيات عقدية واجتماعية وموروثات وحضارة وغيرها؛ لكن أن تكون بهذا الاستهداف الفج والأحمق والمترع بالكراهية غير المسوّغة منطقاً، فإنها تدعو للمساءلة والتوقّف عندها واستكناه الدوافع؟

إذ ليس من المعقول بعض الأفراد أو الدول غارقة حتى أذنيها في قضايا اجتماعية وفقر وبطالة وترهيب مجتمعي وغياب للعدالة وأدنى شروط الحياة الكريمة ويأتي في النهاية -وبكل صفاقة وفجاجة- لينتقد سلوك بلادك وقادته؟ كالتي "رمتني بدائها وانسلّتْ" كما يقول مثلنا العربي القديم المتجدّد.

إنها حال من الهوان تعيشها تلك الفئام من البشر والدول يزيدها إذلالاً هذا التشدّق المكشوف والمثير للضحك والشفقة وهي تُمعِن في التباكي على الحقوق وذوي الرأي وحقوق المرأة وغيرها من الشعارات التي يتم ترديدها بطريقة ببغائيّة مثيرة للتندّر والسُّخرية.

نكتب هذا ونحن نشهد جولات سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وهو يجوب العالم في مهام تاريخية هدفها رِفعة بلاده وسموقها ونمائها والنهوض بمواطنها وتكريس قيمه وحضارته الضاربة في العُمْق، يجوب العالم فيما نحن نستذكر مقولته بأنّ العمر قصير والأحلام كبيرة ولا يريد أن يغادر إلا وهو قد حقّقها مؤكداً مقولة للمفكر العربي الكبير محمد أركون حين سئل عن مشروعاته الفكرية وخشيته من الموت فقال: "إذا ما استطعنا أن ننجز شيئاً إيجابيّاً مفيداً للناس أو للأجيال القادمة فإنّ ذلك يُشكّل عزاءً حقيقيّاً لنا ومُبرّراً لعبورنا السريع في هذا العالم، نكون قد عذرنا أنفسنا على الأقلّ".

غداً تنطلق قمة مجموعة العشرين التي ستزدهي بحضور سمو ولي العهد والتي سيكون فيها خير ممثّل لبلاده يصنع القرار ويخلق الفارق ويبصم علامة التميّز الاقتصادي في حضوره البهيّ الذي ينضاف لجهوده العظيمة التي أنجزها في زمن قياسي ومذهل ليؤكد للجميع أنّ المملكة العربية السعودية هي الأفُق السياسي والدولي الذي لا يمكن تجاوزه.