القيام بالمسؤولية سلوك وسطي يكتنفه طرفا نقيض، ومتى حاد المسؤول عن التوسط فيه، وخرج إلى أحد جانبي التطرف إفراطاً أو تفريطاً، ضلَّ عن المقصود، وانعكست تصرفاته على العمل سلباً، والإفراط في المسؤولية لا يقل شؤماً عن التفريط فيها..

المسؤولية التي أعني هي: "تلك الأمانة الدينية، والمسؤولية الوطنية" التي يتحمّلها من فوَّض إليه وليُّ الأمر مسؤولية معينة، فخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان - سلمهما الله تعالى - لم يألوَا جهداً، ولم يدخرا وسعاً في دقة اختيار المسؤول الذي يتصدى لمصالح الناس، وخدمة المجتمع، ويقوم بواجبه تجاه دينه ووطنه، ويتم تكليف هؤلاء المسؤولين حسب معايير الكفاءة المتعارف عليها، فكان من الواجب على هذا المسؤول أن يكرِّس جهده، ويبذل وقته للقيام بما وكّل إليه قياماً ليس معه توانٍ ولا عجز ولا كسل، وأن يكون عند حسن ظن مليكه وولي عهده، وأن يثبت أن مقومات شخصيته الظاهرة التي بني عليها اختياره متطابقة مع صفاء نفسه، وحسن سريرته، والقيام بالمسؤولية سلوك وسطي يكتنفه طرفا نقيض، ومتى حاد المسؤول عن التوسط فيه، وخرج إلى أحد جانبي التطرف إفراطاً أو تفريطاً، ضلَّ عن المقصود، وانعكست تصرفاته على العمل سلباً، والإفراط في المسؤولية لا يقل شؤماً عن التفريط فيها، وقد صدرت اللوائح والأنظمة لكل مؤسسات الدولة منظمة للمسؤوليات والصلاحيات بكل دقة، ولا يحق لأحد أن يتجاوز حدودها، ومن نماذج الإخلال بالمسؤولية:

أولاً: الإفراط: وهو تجاوز الحد، وحمل الموظفين على ما لا علاقة له بمهامهم المقصودة، ومعاملتهم بصورة غير ملائمة، ولذلك أشكال منها:

1- أن يتسلط المسؤول على مرؤوسيه، فيمارس عليهم من الصلاحيات ما لم تمنحه الأنظمة المرعية، ولم تقره القواعد الشرعية، ولا استساغته القيم العرفية، ومعلوم أنه لا يحق نظاماً لأيِّ مسؤول "سوى الملك أو ولي عهده" أن يُلزم موظفيه عملاً لا يوجبه نظام الوظيفة عليهم، وأن ذلك تعدٍّ على النظام، وغصبٌ لأوقات الناس ومنفعتهم دون وجه حق، والشرع لا يسوغ إلزام الناس أي عمل إلا بالتراضي، بل إن من جوهر الفرق بين الحرِّ والمملوك عدم جواز استغلال الحرِّ خارج نطاق العقد.

2- التجاوز مع الموظف وهضم بعض حقوقه المادية والمعنوية، وتجنٍّ عليه بحرمانه من أبسط حقوقه، وأيسر استحقاقاته، ويستحكم البلاء إذا ما كان الدافع عداءً شخصياً، وانتقاماً ذاتياً، ومثل هذه التصرفات قد تنشأ منها عقدة للموظف تجاه عمله، فلا يبدع فيه؛ لأنه يستشعر باستمرارٍ مظلوميتَه، ولا يرجو جنْيَ ثمرة اجتهاده لو اجتهد، فلا يجد محفزاً للإبداع والإنتاج.

3- لغة ترهيب الموظفين بالعقوبة دون مبرر شرعي، أو مسوِّغٍ نظامي، فالملك وولي عهده - سلمهما الله تعالى - لم يعينا المسؤول ليرهب الرعية، ولم يأذنا له في توعدهم، بل تم تعيينه لتنظيم المهام وإدارتها، ولم يطلقا يديه في آلية ذلك التنظيم، بل هناك نظام مُسبق هو من يحكم العملية الوظيفية، ويحدد الإجراءات الجزائية، والخطوات التأديبية، وهذا النظام له آلية تنفيذ وتطبيق، ووسيلة إعلام وإفهام.

4- الفساد الإداري والمالي، وينشأ عن تجاوز الحدِّ في استعمال الصلاحيات، والامتيازات للمصلحة الشخصية، أو لمحاباة أناسٍ دون آخرين في التعيينات، والترقيات، والانتدابات، ونحوها، وهذه المظاهر جميعها استغلالٌ ذميمٌ للسلطة، وتوظيفٌ قبيحٌ للمسؤولية، وتصرفٌ مذمومٌ وممجوجٌ شرعاً ونظاماً، وهذا النوع من الفساد ينطوي على أنواع كثيرة من المساوئ تتعطل معها عجلة التنمية، ويتوقف قطار التقدم والنجاح، والرقي والازدهار.

ثانياً: التفريط: وهو الاسترخاء في أداء المهام، والضعف عن القيام بالمسؤولية، والإخلاد إلى الدعة والراحة على حساب العمل وانتجازه، وهو سلوكٌ مدمِّرٌ من شأنه أن يبوء من اعتاد عليه بالفشل المدوِّي في جميع مهامه، فمن مظاهر التفريط في المسؤولية:

1- انشغال المسؤول عن أداء مهام المسؤولية بأشياء أخرى سواء كانت أعمالاً خاصة، أو شؤوناً أسرية، أو ذهاباً ومجيئاً لا علاقة لها بعمله المنوط به، وهذا يُخل بمبدأ الأمانة التي على أساسها كُلِّفَ المسؤول بالعمل، كما أن فيه تضييعاً لحقوق من ترتبط مصالحهم بهذا المسؤول.

2- سوء إسناد الصلاحيات وتوزيعها، والاستعانة بالشخص غير المناسب في المقام غير المناسب، وفي هذا غشٌّ للمجتمع، ووضعٌ للأمور في غير نصابها، وتفويت الأكفاء مناصب هم بها أولى، وهي بهم أليق.

3- التهاون مع الموظفين المهملين، وقلة متابعتهم، والتغاضي عن سوء أدائهم، وذلك يعود بالمفسدة على الإدارة نفسها حيث تظهر عليها ملامح سوء الأداء، كما أنه يضر المجتمع، بل يضر الموظف المهمل نفسه؛ لأنه يغريه بالتمادي في الباطل، ويغترُّ بهذا الإغضاء، فيستمر في الخطأ ظاناً أنه على المنحى الصحيح.