المملكة مستمرة في ثباتها بما تشكلت به عبر التاريخ، وتم بناؤها بمنهجية سياسية واقتصادية وثقافية صلبة، وهذا ما منحها التفوق الذي ذهب بكل أولئك الذين وضعوا أجندتهم ضدها في الاتجاه الخاطئ..

ما الدرس الذي تعلمناه في السعودية؟ وما الدرس الذي سنعلمه للآخرين؟ هذا السؤال منطقي، ويجب أن نسأله تحديدا بعد مرورنا بأزمة فقدان المواطن السعودي الأستاذ جمال خاشقجي، خاصة أن معايير التعاطي مع هذه الأزمة لم تكن تسير في اتجاه متزن من قبل وسائل الإعلام، سواء القريبة أو البعيدة عنا، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي احتدم فيها النقاش، وطُرحت فيها الأسئلة التي تميزت بالتفاوت الكبير بين مستوياتها، ولكن ظلت وسائل التواصل الاجتماعي تعكس انخفاضا شديدا في مستوى الهجوم وكذلك الدفاع حول هذه القضية.

الحماس المفرط طغى بشكل كبير على الجانبين المؤيد والمهاجم، وافتقد الحدث وتحديدا في المساحة الإعلامية التخطيط، وكذلك التفكير الاستراتيجي، فالتعاطي الشعبوي أربك الأسئلة وأخرجها عن مسارها، وهذا على عكس الأداء السياسي الذي وبكل قواه لم يتأثر بظواهر الإعلام سواء المرئي أو المسموع أو المتداول، كما في وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام الجديد، ظهرت الأسئلة الجادة عن دور الإعلام، ولكنها أسئلة لم تكن منصفة، ولعل السبب في ذلك هو ارتباك التعاطي الشعبوي مع تفسير ما هو الإعلام المطلوب منه أن يواكب هذه الأزمة.

دروس كثيرة تعلمناها في هذه الأزمة سياسية وثقافية واجتماعية، وهناك كثير من المعالجات التي تتم وفقا لمسؤولين كبار، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن هناك كثيرا من الدول والمجتمعات أثبتت أنها لا تفهم التاريخ والثقافة السياسية في مجتمعنا، وهناك من لا يفهم منظومتنا السياسية، وهناك من لا يفهم عوامل قوتنا كدولة تؤثر في المحيط العالمي، وهناك من لا يفهم تركيبتنا المجتمعية وعلاقاتنا المتداخلة، عبر تاريخ السعودية هناك قاعدة سياسية ثبتت صلاحيتنا تؤكد أن السعودية لديها القدرة على التكيف السريع وإظهار الإيجابية التامة مع الواقع الذي يحيط بها مهما كان.

سؤالنا الآخر يقول: ما الذي علمناه نحن للآخرين؟ الأهم فيما علمناه نحن للآخرين يكمن في درس لن ينسوه أبدا، نعم سنقدم لكم أبلغ رسالة في حياتكم لتحملوها عبر التاريخ، وهذه الرسالة تتمثل في أننا سنحرمكم من التفكير مرة أخرى بشطحاتكم الفكرية وخيالاتكم البعيدة بأنه يمكن لكم أن تتمكنوا من الوصول إلى عمق المجتمع السعودي وتشتيت لحمته عبر إثارة إعلامية أو هجوم إعلامي، أو إثارة شكوكم عبر أسئلة متناقضة. نعم مررنا بمرحلة عصيبة، ولكن لم نرتبك ولم نهتز، لم ننحنِ أمام ضجيج الإعلام وتصريحات تملأ الفضاء، ليس لأننا لم نهتم، ولكن لأننا نملك الخبرة والدراية، ونعتمد التعامل مع القضايا وفق أدلة الحق والعدالة.

لقد قدمنا لخصومنا درسا بليغا لنقول لهم إنه مهما تنوعت مساراتهم ومواقعهم في الغرب أو الشرق، سياسيين أو صحافيين، فإن افتعال الأزمات ورسم السيناريوهات وربطها بدول عميقة تاريخياً لا يمكنه أن يحقق النجاح، لأن المشروع السعودي عبر قرن من الزمان نقل أسس هذه الدولة القائمة على مكانتها العربية والإسلامية والاقتصادية إلى العالم، وأصبحت السعودية جزءا مهما وركيزة في النظام العالمي، وهذه الأرضية الصلبة جعلت السعودية الوجه الأكثر تقديرا واحتراما في سيادتها وتأثيراتها.

عندما تفكر الدول الكبرى وقياداتها السياسية بعقلانية واضحة في كيفية التعامل مع السعودية، فهذا يدل على أن ما يصدر عن السعودية إنما يشكل ثباتا في الموقف، ورسوخا في القرار، ولعل الأزمة الأخيرة أثبتت أن الوصول إلى النتائج وتحقيق الإنصاف كان الرسالة الأولى والأخيرة التي تم إرسالها للعالم من حولنا، فمنذ اللحظة الأولى حتى آخرها ظلت السعودية تهدي أسوأ الخدمات لأعدائها والمهاجمين بأن هذه الدولة تتجه في ثبات نحو معالجة صحيحة ودقيقة للأزمة.

السعودية مستمرة في ثباتها، وهي خاضعة لأطروحة مهمة، مفادها بأن هذه الدولة بما تشكلت به عبر التاريخ تم بناؤها بمنهجية سياسية واقتصادية وثقافية صلبة، وهذا ما منحها التفوق الذي ذهب بكل أولئك الذين وضعوا أجندتهم ضد السعودية في الاتجاه الخاطئ. السعودية - وهي حقيقة راسخة على المسرح الدولي - ستظل الأهم في المنطقة العربية، والأهم لكل المسلمين، والأهم لكل العالم اقتصاديا. ففي هذه الدولة مفاتيح سياسية واقتصادية وعقدية لن يتمكن أحد من الحصول عليها، ففي الرياض هناك ثلاثة أنواع من القرارات دائمة الوجود، فهي عاصمة القرار العربي، وعاصمة القرار الإسلامي، وعاصمة القرار الاقتصادي الدولي.. وهذه رسالة العالم عنها.