من المؤسف الذي نشكو منه هو الحساسية المفرطة من كلمة «بسمة» أو «ضحكة» حيث عبست كثير من الوجوه نظرًا لما يحصل للأمة من تقلبات وأحداث، ساعدت على تفشي تفاصيلها تلك الوسائل الحديثة التي أصبحت مصدر قلق لكثير من الناس..

ما أحوجنا لهم في مثل هذه الأزمنة! التي نحا فيها كثير من الناس منحى "الإحباط" و"تكدر المزاج" ما أحوجنا إلى صناع البسمة، ورسامي الضحكات على الشفاه، كم افتقدناهم! وافتقدنا أفعالهم وأقوالهم، على المستوى الاجتماعي في الحياة اليومية!

إذا تأملنا جيدًا في نصوص الوحيين وجدنا صناعة الفرح مطلبًا أساسيًا لتلك الآيات والأحاديث (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا)، فلم يأت الدين إلا لإسعاد البشرية وصناعة الفرحة وإزالة البؤس عنها (طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)، ومن سيرة نبينا صلى الله عليه وآله ونهجه تلك الضحكات التي كان يطلقها "عفوية" تنبئ عن طبيعته البشرية، وتلك المزحات التي أثرت عنه وعن أصحابه في أسلوب راقٍ لإيجاد السعادة في محيطهم، ولم تكن أحوالهم التي واجهوها بأقل بؤسًا من أحوال عصرنا فيما يتعلق بالجانب المعيشي، بل لعلها كانت أشد، ولكنهم خلقوا حياة اجتماعية عفوية "مقننة" بنيت على المعرفة العميقة والتفسير العملي لمعنى "الحياة" فهمًا منهم لقول باريهم (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) الآية.. والحياة الطيبة نستطيع تناول تفسيرها بأجلى صورة حين نتأمل في سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن المؤسف الذي نشكو منه هو الحساسية المفرطة من كلمة "بسمة" أو "ضحكة" حيث عبست كثير من الوجوه نظرًا لما يحصل للأمة من تقلبات وأحداث ساعدت على تفشي تفاصيلها تلك الوسائل الحديثة التي أصبحت مصدر قلق لكثير من الناس، حيث إنه لم يعد للحياة الطبيعية في أيامهم مكان، وسيطر عليهم التنقل بين الأخبار المؤسفة التي تتفنن وسائل الإعلام في نشرها وتعديدها وتضخيمها وتوسيعها، حتى تجاوزوا في ذلك ما جعله الشرع حدّاً إنسانيًا للمحافظة على سلامة الفطرة واستدامة الرحمة في القلوب، ومن سيرته صلى الله عليه وآله أنه كان إذا سافر دعا بدعاء السفر وفيه ".. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر.." وهو ما يناقض تمامًا حرص بعض من الناس على استدامة العبوس في وجوههم!

ولو تأملنا قليلاً في قول النبي صلى الله عليه وآله "وبشرا ولا تنفرا" لوجدنا أن دعوته بنيت على هذا الأساس، وهو البشارة وإدخال السرور في نفوس السامعين بعيدًا عمّا يفسد أمزجتهم ويكدر خواطرهم، وفي الحديث ".. وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم".

وليس هناك حدّ لإدخال السرور على الآخرين، فتفريج كرباتهم وقضاء حوائجهم وتفقد أحوالهم كل ذلك من إدخال السرور، ولكن هناك إطار عام جامع لنشر ثقافة الابتسامة والسرور، ".. وتبسمك في وجه أخيك صدقة.." ويحكي أحد الصحابة - جرير بن عبدالله - رضي الله عنه قائلاً: "ما رآني رسول الله صلى الله عليه وآله إلا تبسم في وجهي". فقد كانت صناعة الابتسامة مسلكاً ربانيًا سلكه نبينا صلى الله عليه وآله.

ومن ذلك أيضاً ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فقد يصل بهم حب المزاح وإدخال السرور والبهجة إلى ما يظنه بعض من لا يفقه معنى الحياة الطيبة صخبًا وخرماً للمروءة، ومما لا ينبغي لمن حمل القرآن والسنة أن يفعله، ففي الأثر الصحيح "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يتبادحون بالبطيخ"، وهم من حمل إلينا هذا الدين بكل تفاصيله.

ولعلك تجد كثيرًا ممن حملوا بين جنبيهم النفوس الحالكة يستشيط غضبًا لسماعه ضحكة أو قراءته طرفة أرسلت له ممن يريد إسعاده وإضحاكه، ومتناسياً أو جاهلاً أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان يُضحكه، كما في الصحيح، وهو الذي كان يشرب الخمر، وكان صلى الله عليه وآله يجلده الحد، وأخبر عنه بأنه يحب الله ورسوله! ثم يدعي أن فساد مزاجه وحدّة طبعه نوع من الوقار والسكينة التي لا ينبغي لها أن تفارق محياه.

وقد خلق الله الأرض وأبهجها بجناتها ورفع السماء وزينها بنجومها وخلق كل شيء لإسعاد النفس البشرية، فمتى يعي أولئك أن صناعة البسمة قربة بل من أحب الأعمال إلى الله؟ هذا، والله من وراء القصد.