في كل عام ينتظر الناس هطول الأمطار بشوق ولهفة، فالأمطار تدخل البهجة والسرور إلى النفوس، وتعطي جواً جميلاً يشرح الصدور، ومنذ القدم فقد كان الإنسان رغم فرحه واستبشاره بهطول الأمطار إلاّ أنه كان يحترز من أخطارها ويستعد بصيانة بيته وتفقد مزرعته، وذلك بالعمل على تنظيف مجاري السيول سواء في سطوح المنازل أو في الشعاب التي تغذي مزروعاته، كما كان حريصاً على حماية ممتلكاته ومن أهمها الحيوانات التي يعيش على منتوجاتها من اللحوم والألبان، حيث يجعلها في مكان مرتفع أو يدخلها في حظائرها قبل نزول المطر، وبالنظر إلى الماضي القريب فإنّا نجد أن الإنسان جيل الأمس على بساطته يعمل جاهداً على اتقاء أخطار الأمطار، رغم أنه لم يكن هناك محطات رصد تخبره بتوقع هطولها، ولم يكن هناك أيضاً وسائل إعلام تحذره من ذلك، فما أن تهطل الأمطار إلاّ ويرجع الكل إلى بيته بجانب أسرته ويتابع غزارة الأمطار التي قد يتضرر منها منزله الطيني، فيقوم على الفور بإصلاح ما يحدث من تسرب في سقف البيت، أو يقوم برد ماء السيول من الدخول إلى منزله، فيقوم بنزحه بمساعدة أهل بيته، وقد يصاحب الأمطار زخات من البرد فتزيد المعاناة حيث يتوجب على أهل البيت التخلص من حبات البرد التي تستقر في سطح المنزل، وذلك بإلقائها إلى الشارع كي لا تثقل على السقف فيخر على من تحته.

تبدل الحال

مع موجة التطور التي طالت كل شيء من أمور الحياة فقد تبدلت البيوت إلى منازل خرسانية باتت أقوى على مقاومة الأمطار والسيول، وكذلك انتشرت التقنية التي سهلت من التواصل بين الناس من خلال أجهزة التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، وصار الجميع يتلقى تحذيرات تقلبات الطقس وفرصة حدوث أمطار وتوقع غزارتها، مما يجعل الإنسان يستعين بهذه التوقعات في حياته اليومية مثل إقامة المناسبات، حيث يقوم البعض بتأخير موعدها بناء على ما يصل إليه من توقعات، وكذلك السفر بمسافات طويلة أو الخروج إلى التنزه، ولكن مع كل هذه التقنية والتقدم في إنشاء محطات الرصد الجوي للأمطار أو تقلبات الجو وكثرة المواقع الإلكترونية التي تهتم بالتوقعات وتحذر من غزارة الأمطار، وكذلك انتشار العديد من «قروبات» متابعة حالة الطقس من قبل العشرات بل المئات من هواة متابعة حالات الطقس، إلاّ أن هناك الكثير خاصةً من الشباب لا تعطي اهتماماً بتحذيرات هذه المواقع المنشورة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وتخرج أثناء هطول الأمطار بسياراتها إلى بطون الأودية والشعاب من أجل التمتع بجريانها، بل تحاول رصد ذلك بالتصوير عن طريق الهاتف الجوال وإرسال تلك المقاطع فوراً عبر التطبيقات الذكية والبرامج مثل «سناب شات» و»تويتر» وغيرها، معرضين أنفسهم إلى المخاطر، فبالأمس القريب وعند هطول الأمطار بغزارة كان الكل يلزم منزله مخافة أضرار السيول ولا يخرج إلاّ للضرورة القصوى، بينما جيل اليوم خاصةً الشباب والمراهقين يتتبعون الأمطار بسياراتهم في بطون الأودية والشعاب، دون أي ضرورة بل هو للمتعة والتنافس في تغطية ذلك إعلامياً رغم تحذيرات الدفاع المدني بعدم الخروج إلى بطون الأودية ومجاري السيول، خاصةً عند هطول الأمطار بغزارة، مما ينذر بالخطر الذي قد ينتج عنه إزهاق الأنفس والإضرار بالممتلكات، وفي كل عام تطالعنا وسائل الإعلام بأخبار غرق العديد من المراهقين نتيجة مخالفة التعليمات والخروج والمغامرة بقطع الطرق أثناء شدة جريان الأودية.

إنذار البلدة

وكان التنبؤ بأخطار السيول قديماً غير متوفر في ظل انعدام أجهزة الرصد الحديثة، وكان الناس فيما مضى يواجهون غزارة الأمطار فجأة مما يكبدهم خسائر مادية كبيرة في الممتلكات والزروع والبيوت، وفي أحيان نادرة قد تزهق بعض الأرواح من الغرق أو الهدم، ورغم ذلك فإن الناس يحتاطون عند هطول الأمطار بأسرع ما يمكن، وذلك بتنظيف مجاري السيول أو البقاء في المنازل والعمل على صيانتها وعدم الخروج إلاّ لضرورة قصوى حفاظاً على أرواحهم، فحتى الصلاة المكتوبة يغيبون عنها، حيث يرخص لهم ذلك في حالة المطر الشديد، وينادي المؤذن بقوله: «صلوا في رحالكم»، اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وعلى الرغم من انعدام التقنية الحديثة في ذلك الوقت التي تنذر بقدوم أمطار أو عواصف رعدية مصحوبة بالمطر الشديد وزخات المطر إلاّ أن هناك من يملك خبرة كبيرة في هذا المجال، فيقوم بإنذار أهل بلدته ليحتاطوا من مداهمة السيول الغزيرة، ومن ذلك من يكون له علم ودراية بنشوء السحاب ويعرف اتجاهاته ويتوقع أين ستمطر سحائبه، كما يستطيع أن يحدد غزارة السحابة من لونها، وكذلك احتمالية أن تكون مصحوبة بزخات من البرد، ويوجد الكثير من الشغوفين بمتابعة السحب واتجاهاتها، ويسمى من يتتبع هذه الطريقة بـ»المخايل»، وعادةً ما يكون هذا الشخص المهتم بمخايل السحاب على دراية بعلم الفلك بالخبرة، حيث يستطيع من خلال النظر إلى السحاب معرفة اتجاهه وأين سيمطر، وهل في ذلك السحاب برد أو «شبوب» - صغير البرد -، وتراه يخبر مجالسيه عن أخبار كل سحابة تمر، حيث يتنبأ بمكان إفراغ حمولتها من المطر، أين سيكون، وغالباً ما تصدق نبوءاته.

حركة الحيوانات

وفي البادية أو في أطراف البلدات كالمزارع والرياض فإن البعض يراقب حركة الحيوانات التي تمتلك إنذاراً مبكراً بهطول الأمطار أو غزارتها، ومن أشهر العلامات الدالة على ذلك هي القوارض التي إن شوهدت وهي تنقل جحورها وصغارها من أسفل الوادي إلى مكان مرتفع، فإن ذلك دليل قطعي على أن الساعات المقبلة ستشهد هطول أمطار غزيرة وفيضانية، فيأخذ الناس حذرهم، وبالفعل ما هي إلاّ سويعات أو يوم وتجد السماء تنهمر بماء كأفواه القرب، ويزيد منسوب المياه في الأودية والشعاب ويجرف في طريقه كل ما يجد، وقد يسيل الوادي وهو لم يمطر خاصةً إذا كان كبيراً وطويلاً فقد تمطر السماء على بعد عشرات الكيلومترات بغزارة في إحدى البلدات ويفاجأ الناس بسيل الوادي القوي الذي يجرف ما أمامه، وتزداد الخطورة ليلاً حيث يكون الناس نياماً آمنين.

زيادة المنسوب

ويظل هاجس تصريف مياه الأمطار والسيول ودرء أخطارها هاجس الكثيرين من الناس، خاصةً العاملين في أمانات المدن والبلديات، حيث تجرى الكثير من الدراسات حالياً عند تخطيط المدن والمخططات السكنية أو عند شق طرق جديدة، ويقوم على هذه الدراسات العديد من المهندسين المتخصصين، ويتم متابعة العمل في الميدان عند التنفيذ لمتابعة الشروط والمواصفات المطروحة، ومع ذلك نتفاجأ في كل عام بحصول العديد من المخاطر كزيادة منسوب مياه الأمطار والسيول في الشوارع مما يسبب عرقلة مرور السيارات، وقد تداهم هذه السيول المنازل فتغرقها وتكبد سكانها الكثير من الخسائر المادية، وبالنظر إلى الماضي القريب فإننا نعيش مشدوهين عند زيارة القرى والبلدات القديمة المبنية منازلها من الطين وشوارعها ضيقة وتحيط بها مزارع النخيل من كل جانب وذلك لدقة تخطيطها وانسياب مياه السيول دون أن تسبب أي ضرر للبيوت، وذلك بشق قنوات يدخل منها الماء إلى المزارع وعند اكتفائها منه يرتفع المنسوب ليخرج منها إلى المزرعة التي تليها حتى تمتلئ جميع المزارع ومن ثم يصرف ما يزيد إلى خارج البلدة ليصب في الرياض والفياض القريبة منها، وكأنموذج لهذه البلدات التي مازالت قائمة بجهود أهلها للمحافظة عليها بلدة «أشيقر» التراثية التي تشد الزائر إليها خاصةً عند هطول الأمطار، حيث يرى الدقة الهندسية في توزيع المياه عند دخولها إلى البلدة إلى المزارع والآبار ومن ثم ما زاد على الحاجة فإنه يخرج من البلدة دون أن يسبب أي ضرر لمزرعة أو بيت، وقد صممت القنوات والشعاب بدقة هندسية رغم أن الذي صممها هم الأجداد بالخبرة وهم لا يحملون أي شهادات، وقد تم الحديث عن ذلك بإسهاب في أمسية ثقافية ضمت كلاً من د. وليد بن عبدالله الهويريني ود. عبدالله بن صالح الفلاح، وعبدالله بن بسام البسيمي، وتركي بن إبراهيم القهيدان الذي أسهب في حديثه عن ذلك حيث، قال القهيدان: إن بلدة «أشيقر» كانت بجانبها بلدة اسمها «الفرعة»، وبينهما وادٍ وكانوا يتخاصمون على مياه هذا الوادي عند هطول الأمطار، فكل يريد أن يحصل على مياه هذا الوادي وقد حصل بينهما مصالحة في إبان الدولة السعودية الأولى في عهد الإمام عبدالله بن سعود حيث قسموا الوادي إلى خمسة أسهم، سهمان وثلث لبلدة «الفرعة»، وسهمان وثلثا السهم لأهل «أشيقر»، وعملوا حواجز على طرفي الوادي، بحيث لا يصب في أي بلدة إلاّ بحسب القسمة، وعند مروره بالبلدتين تم تقسيم الوادي حسب الاتفاق المبرم فيتجه يميناً وشمالاً بحيث تأخذ كل بلدة نصيبها من الماء، وبالفعل كان الوادي يدخل إلى بلدة أشقر ويسقي آبارها ومن ثم مزارعها وما زاد على الحاجة يخرج إلى خارج البلدة ليسقي الرياض والفياض، العجيب أن الماء يدخل بانسيابية ولا يسبب أي ضرر بالبيوت التي يمر بها أو الأسواق أو المزارع.

وفي عصرنا الحاضر ورغم وجود المهندسين وأصحاب الشهادات العليا في الهندسة والتخطيط وما يتم صرفه من مبالغ طائلة على المشروعات المنتشرة في كافة المدن والقرى من أجل هذه الغاية إلاّ أنه مازال هناك العديد من الأخطاء في تصريف السيول وطريقة التعامل معها لدرء أخطارها.

توعية المجتمع

وفي كل عام ومع غزارة الأمطار فإن الجهات المختصة تحذر الجميع من الخروج إلى مجاري السيول وبطون الأودية وتجمعات المياه حفاظاً على الأرواح والممتلكات، ومن الجهات ذات الجهود الواضحة والملموسة في هذا المجال الدفاع المدني الذي ينشر التوعية في جميع وسائل الإعلام المختلفة من مقروءة أو مسموعة أو مرئية، ومع انتشار أجهزة التواصل الاجتماعي فإن التوعية باتت ترسل للجميع كرسائل نصية لكافة المواطنين على أجهزتهم النقالة، وهناك تعاون وثيق بين المديرية العامة للدفاع المدني وهيئة الأرصاد في نشر التوعية والتحذير من مخاطر الأمطار، ومن الأمثلة على ذلك رسالة تلقاها الجميع نصها: «نظراً لاستمرار التوقعات بهطول الأمطار ولسلامتكم فإن الدفاع المدني يهيب بالجميع بأخذ الحيطة والحذر والابتعاد عن مجاري السيول وبطون الأودية وتجمعات المياه متمنين السلامة للجميع»، وعلى الرغم من هذه التعليمات والتحذيرات إلاّ أنه مازال هناك الكثير ممن لا يراعي هذه التحذيرات، خاصةً من المراهقين الذين يرتكبون الخطر في الخروج إلى الأودية وتجمعات مياه السيول وذلك أثناء هطول الأمطار بغزارة مما نتج عن هذا التصرف من خسائر في الأرواح والممتلكات، انقلبت المفاهيم وبات البعض بدلاً من أن يتقي مخاطر السيول كما كان يفعل جيل الأمس يخاطر بحياته ويتعرض لأخطارها بدافع التهاون والاستهتار، الأمر الذي يستدعي تكثيف التوعية في المدارس والجامعات والجوامع بمثل هذه المخاطر، ويجب أن يكون المنزل هو منبع التوعية الأول بالتحكم في تصرفات هذه الفئة العمرية المراهقة التي لا تعي تلك المخاطر.

منافذ مياه المطر في بيوت الطين
غرق مركبة في أحد السيول
تصريف السيول إلى خارج القرى قديماً
إنقاذ محتجزين بسبب مياه الأمطار
أطفال يخاطرون بحياتهم في مجاري السيول