المملكة.. حضارة إنسان وعبقرية مكان تعانقان المجد

شكلت ملامح المملكة العربية السعودية الحديثة أقنوماً لافتاً طبعه بصورة ذهنية تجعل التوقف أمامه والتملي من دروسه فرصة ثمينة تستلهم منها العبر والوقوف على محطات الكفاح وبهاء المسيرة الحضارية الفذة.. ولعل الأسئلة، التي تتردد على البال، هو: كيف تكونت صورة الإنسان السعودي، وصورة الوطن السعودي في أعين العرب، وعلى أي أسس ومعطيات ومؤثرات تكونت، وكيف ترسخت، وما درجات ثبوتها وتغيرها وأسبابها؟

وللإجابة عن هذا التساؤلات لا بد أن نمر عبر عدة مراحل زمنية وفكرية وظروف معيشية وعامة ومؤثرات تاريخية نستنطقها..فتح الرياض

وقد استمر ذلك في فترة ما بعد فتح الرياض وحتى تم ضم منطقة الحجاز وبعض الأجزاء الأخرى لها 1902-1932م، رغبة من مؤسس الكيان الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود في توحيد وتكوين أجزاء الوجود السعودي، والذي كان قبلها مفكك إلى أجزاء عديدة متناقضة متصارعة، يتم وصفها بقبائل الجزيرة العربية، وكانت الأحوال المعيشية فيها متدنية، والفقر ظاهر، وكانت المنطقة تعاني من الخوف والتعديات، وكانت البيئة تعاني من تفشي الأمراض، وكان التعليم شبه منعدم فيها، إذا ما استثنينا بعض منابر الثقافة الدينية النوعية المتمثلة في كراسي بعض المشايخ والطرق المتواجدة في الحرم المكي، والنبوي الشريفين، ولو أن الحال بمجمله كان مشابها لأغلب ما يوجد في معظم الدول العربية في حينها، إذا ما استثنينا من ذلك بعض النخب في بعض حواضر الدول العربية المنفتحة على العالم أو المتأثرة بالاستعمار.

وكانت توجهات حكومة المؤسس حينها، حريصة على اللحاق بالركب العلمي والثقافي والصحي، بهمة عظيمة وإمكانيات متواضعة، حيث لم يكن البترول قد اكتشف في أراضيها بعد، وكان الفقر طاغيا، وكانت مظاهر التخلف الاجتماعي مستوطنة في حياة صحراوية مرتحلة، أو قروية جافة في معظم مناطق الدولة الجديدة الباحثة عن الوحدة والاستقرار وتكوين الذات.

الأحوال الصحية والتعليمية كانت هاجس القيادة السعودية الأعظم داخلياً، فخطط المؤسس والذي كان متعلماً مستنيراً متفائلاً للاستعانة بعدد من مثقفي العالم العربي، فرتب لإحضار الأطباء والمدرسين من دول عربية عدة، ضمن عمليات تنسيق دبلوماسي أبدعت فيها حكومته الناشئة ببعد في الرؤية، وتم الترتيب والصرف على عمليات استقدامهم وتسهيل عملهم في مقار عمل متواضعة، حيث قدمت لهم كل ما يمكن تقديمه من مرتبات وإمكانات.

وقد كان التوطين مستمرًا، وكان الشغف الشعبي بالتعليم حاضرًا، وكان التفاعل ملحوظاً، فهيأت الحكومة أقصى إمكاناتها لرفع مستوى التعليم من درجة الكُتاب إلى منظومة المدرسة، ما جعل التعليم ينتشر بين البدو والحضر، وبخطى سريعة، كدلالة على انطلاق المارد السعودي لبلوغ شتى مجالات الحياة.

وفي تلك المرحلة تكونت أسس النظرة الأولى للمثقفين العرب نحو السعودية والمواطن السعودي بتعاطف شديد لصعوبة المعيشة، وصعوبة أحوال الطقس، ونقص مصادر المياه، وقلة المزروعات، وصعوبة المواصلات، ونقص التجارة، وتفشي الأمراض، فتمثلت النظرة في أعين العرب الحاضرين سوداء مكللة بالحسرة والإحباط، وقد صاحبها عند البعض منهم نوع من الغرور والفوقية، وتوقع بقاء الحال على ما هو عليه من تردي.

اكتشاف النفط

بدأ اكتشاف البترول في المملكة سنة 1932م وقبل أن يكتمل توحيد مناطقها وأقاليمها، ومن خلال تسميتها بمسمى المملكة العربية السعودية في 21 جمادى الأولى 1351هـ الموافق 23 سبتمبر 1932م، وفي هذه المرحلة بدأ بعض المعلمين بالعودة إلى بلدانهم العربية، التي بدون شك كانت تفوق جميع ما يحدث في المملكة حينها، وقاموا بنقل مرئياتهم وصورهم عن الأوضاع المعيشية السعودية، كما تم رسم صورة الشعب السعودي بما كان عليه الحال من بداوة قاسية، وسكنى في بيوت الشعر، والطين والحجر، وتعسر المواصلات بين أطراف الجزيرة على ظهور الجمال والحمير، إلا فيما ندر.

وقد أعقب مرحلة اكتشاف البترول، تغيرات اجتماعية متعاقبة، فكانت المدن السعودية قد عرفت طريقها لبعض التحضر، وهيئت في بعض الحواضر المراكز الصحية، وأصبح التعليم رافداً يدعم متطلبات الأعمال والمهن، التي كانت تستجد على المجتمع السعودي، وكانت المدارس تكبر وتتكاثر، وتتطور، وتعددت مراحلها، وما لبث الحال أن تولى العمل في التعليم مدرسين سعوديين من الجيل الأول، وقفوا جنباً إلى جنب مع إخوانهم المدرسين من سائر الدول العربية، والذين ظل أغلبهم يحمل في عينه ذات الصورة القديمة، والتي قام المدرسون الأوائل بترسيخها في مفهوم الثقافة العربية عامة، بل وتم توطينها ثقافياً ونشرها ضمن معطيات صحافة وكتب وأفلام أوصلتها إلى العالم الأجنبي، بصورة بدائية من البداوة والتخلف.

كثير ممن كتبوا أدبياً، وثقافياً، وتاريخياً بعد ذلك ظلت كتاباتهم على نفس المفهوم القديم، مع عدم الإقرار بوجود التقدم السريع، في تكوين الشخصية السعودية، وفي الكيانات المدنية والعسكرية، فظلت الصور متكررة مبالغة في تحييد أي تجدد أو عدالة في تصوير التقدم، الذي ظل مستمراً رغم كل الظروف، وكانت تلك الكتب والمقولات تبرز التباين الشديد والإجحاف المبالغ فيه بين صورة الشخص العربي، وصورة الشخص السعودي.

وقد مكن من ترسيخ هذا المفهوم، بعض الحركات السياسية القائمة، والفكر السائد آنذاك بالعواطف والصوت العالي وتحريك الجماهير، وكانت وجهة نظرها تؤكد على تخلف ممالك الدول العربية وترديها شعبيا، وعلى نظرة ومفهوم لسان الثقافة والإعلام العربي، الذي ظل مرتفع الوتيرة في محاربة جميع الممالك بشكل عداء متأصل، وتكريس لمحاولات التهميش، وزرع الشكوك والفتن في مساراتها.

تلك التوجهات كانت مناوئة للمملكة، ولجميع الممالك والإمارات العربية، التي كانت تسير بخطى واثقة، وترتقي يوما بعد يوم، وتحافظ على علاقاتها، وتدعم من يلتجئ لها، وتحارب الأفكار الهدامة، والكاذبة، التي ثبت تاريخيا فشلها.

تحولات سريعة

وفي هذه المرحلة كان البترول يدخل في جميع الأمور الحياتية السعودية، ويتحكم في سرعة تكوين وتفرع المدن، وفي تطلعات الحكومة، وما يلزم من الوظائف المتخصصة، مصاحبا بتغييرات عظيمة في الشخصية السعودية، بجيل جديد، وجد الأمور بحال أفضل مما كانت عليه في السابق.

وكان تنوع الوظائف يستلزم الاستعانة بأعداد عظيمة من العرب، ليس فقط في التعليم، ولكن في مختلف الوظائف، والمهن، لإكمال بناء المدن، ومد الشوارع الطويلة بينها، وتشييد الجسور والسدود، وعمارة الحرمين الشريفين، ومن عمليات تجارة وصيانة، وأعمال هندسية، وطبية، وغيرها، فكان من يأتي للسعودية يشعر بالتناقض الشديد بين الواقع، وبين ما كان يحمله في ذاكرته الثقافية، من صور، وانطباعات طاغية بتردي الأحوال، وهذا ما تسبب في صدمات حضارية واجهت الكثير منهم، وممن لم يكونوا يتوقعون أن السعودية أصبحت شبيهة بحواضرهم، بل وأنها تتعدى بعضها فيما يحدث من حراك مجتمعي، ومن تطور تعليمي، ومن تقدم عسكري، وأمني، ودبلوماسي، واقتصادي، وصناعي، وحياة مرفهة بالمنازل الحديثة المكيفة، والأسواق المبهرة، والتجارة المتنوعة الحرة، والمستوى الثقافي والعلمي للمواطن السعودي، والذي فاجأهم بحضور يختلف كثيراً عما هو موجود في مخيلاتهم.

وكانت السعودية واهبة عظمى لمعظم الدول العربية، ومساعدة في حل أزماتهم الاقتصادية، وهذا ما زاد من نقمة بعض المثقفين الواهمين.

نما وازدهار

وفي هذه المرحلة القريبة، والتي أصبحت فيها مدن المملكة، ومشروعاتها الصناعية العملاقة، ونظم الاتصالات والإدارة فيها، وحضورها السياسي طاغياً، لا تبلغه كثير من الدول، فأنقسم الوافدون حينها إلى طرفين: الأول وهو الأغلبية: جماعة نقاء ووفاء وعروبة ومحبة تقر وتعترف بما وصلت إليه المملكة وشعبها من تقدم ومن ثقافة، وتسعد لما بلغته من رخاء ومكانة سياسية واقتصادية لا ينكرونها، بل ويؤكدون على استحقاق هذا الشعب السعودي العصامي لها، باعتبار أنه هو من صنع نفسه من شبه العدم، وأنه ناضل كثيراً ليبلغ ما وصل إليه، وأنه شعب كريم ناهض يفيض بالعديد من العقول والكفاءات والنوابغ في مختلف الثقافات والعلوم والمهن، خصوصاً بعد تخطى الشعب السعودي للحدود الضيقة، وحصول البعثات الخارجية للشباب السعودي، التي أعادت للوطن العديد من الكفاءات المتميزة، والتي كانت مستوياتها بدون شك تفوق عديد من الكفاءات المتواجدة حينها على أرض المملكة.

فيما الطرف الثاني وهو الأقلية: ناكر عنيد ظل يرفض بقوة حقيقة ما يرى، ويحاول إيجاد العيب في عين الحُسن، فيحتقر ما يحدث، ويجير ذلك النجاح للغرب، ويتحجج بأن البترول هو سبب كل ذلك، وأن الشعب السعودي شعب طفرة مؤقتة، لا يستحق ما هو فيه من نعمة، وكم تمنى أصحاب هذا المفهوم زوال النعمة عن السعودي بأسرع وقت، وظلوا يحاولون بكل قواهم تشويه الصور الجميلة، ونشر الأكاذيب، والتشكيك في الأخلاق والمنجزات، ونشر الدعايات المغرضة، وتصيد الهفوات، مع أن المملكة بواقعها وإعلامها وسياستها وتطلعاتها وشعبها كانت تكذب جميع ما يتقولون به، في حضورها العالمي، وتماسك وحدتها، وسرعة تقدمها، وتميز منجزاتها، وخدماتها الجليلة للحجيج، وبروزها على المستوى العالمي في كل العلوم والمعارف، فكانوا يلطمون حسرة كلما تذكروا ذلك، أو ذكرهم به أحد أو عند ولادة منجز سعودي جديد، ينافس المنجزات العالمية.

مكانة ومنجزات

وهنا لا بد أن نذكر أن المملكة لم تكن هامشية في وجودها ومكانتها العربية والإسلامية، ومسارها العالمي، كدولة ذات سيادة، وعمق، وتمكن اقتصادي، فكانت تشارك في مواطن السلم العالمي بسعة صدرها وقدرتها على حل المعضلات، وفي النزاعات العربية والعالمية، بأن اضطرت لدخول خلافات دولية عند الضرورة، فشاركت في عدد من الحروب والأزمات بجيشها الناهض المتقدم، مثل حرب ما بعد النكسة، وحرب أكتوبر، ومحاولات إصلاح الأحوال فيما بعد حرب لبنان، وغيرها الكثير، كما كانت عنصرا أساسيا في حربي الخليج، وما يتبع تلك الأحداث من تواجد دبلوماسي، وعسكري، واستخدام للبترول كسلاح، وحماية أراضيها وجيرتها، وحدودها وشعبها، بأيدي أبناء البلد، العاملين بكل معرفة وإتقان وشمولية في جميع نقاط قوة الوزن والدبلوماسية السعودية، فكان أن زادت السعودية عما كانت عليه آلاف المرات، وكانت تحتوي أبناء العرب والمسلمين مثلما تحتوي أبنائها، وتمد يدها للعالم أجمع، ولكن الطيف الناقم الحاقد، ظل يبحث عن العيوب، ويشيع السوء، ويوصم السعودي بأنه مجرد برميل بترول، أو كيس نقود.

حزم وعزم

وفي هذه المرحلة، التي وضعت النقاط على الحروف ونصبت المملكة في مكانتها المستحقة، وجدنا الكثير من الحاقدين يشدون شعرهم غضباً وعجباً، ويبلغون قمم الغيض، والنقمة، والسباب، واستدعاء شياطين الحسد، وأن يخرجوا أسوأ ما في أنفسهم المريضة. فكيف لهذه الدولة بملك الحزم والعزم سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وفكرها النوراني، وتطلعاتها المعجزة، أن تكتشف ما كان الفكر الإخواني والسروري المتشددان الهدامان يفكران فيه، ويسعيان لتوطينه في داخلها، لمعرفة هذا الفكر بأنه إن حصل له ذلك، فإنه سيبلغ مصاف الدول العظمى، بوهم استخدام كيانات السعودية وإنسانها أداة في أيديهم يحركها كيفما شاء.

أنفة عصية على التنميط

أكثرية محبة.. وأقلية ناقمة

رفاه شعب وكابوس أعداء

ولكن الأمير الشاب تنبه لما يحدث، وجرم الفكر الإخواني، وحارب التشدد ضربة واحدة، وقضى على كل فساد يمثل نخر دود في أسس وكيانات المملكة، فشعر المحتقنين بأنهم في كابوس عظيم، ودوا لو يصحون ويجدونه غير حقيقي.

نفس الطيف الناقم على المملكة، وعلى شعبها، وعلى كياناتها، وعلى تمكنها، وعلى علو كعب ثقافتها، وجد نفسه مجبرا أن يصرخ عالياً، وأن يشجب جميل ما يراه، وأن يتفاعل بكره يتجدد، وأن يتآمر، وأن يخلق صفاً من الأعداء لهذا الوطن السعودي، مستغلاً كل منبر يسنح له الوقوف عليه، وأن يتبنى نشر الأكاذيب، ويشكك في النهج السعودي، فيما يخص القضايا الأساسية، مثل موقف المملكة من قضية فلسطين، ومثل قدرتها على إدارة مواسم الحج، وأمنياتهم بزوال هذا العملاق السعودي الراسخ، فيظل الفكر الحاقد الكاره على ما هو عليه منذ البدايات.

ثقافة ورسوخ

يتضح لنا من كل ذلك، ومن تتبع الفكر الحاقد، أنه لم يحدث صدفة، وأنه كان بسيطاً في البدايات معتمداً على المشاهدات الأولية، ولكنه ومع سرعة التغيرات تفاقم، وظل واضحا في بعض العقول المريضة.

ومع مرور الوقت، لم نعد كسعوديين نستغربه، ولا نستغرب أصحابه، وعلى الجانب الآخر لا ننكر بأنه يظل حافزاً لنا للإبداع، ولترسيخ ثقافتنا، وتأكيد قوتنا، وعراقتنا، وعلو كلمتنا، وأن للمحب منا بهو القلب، وللكاره الغيظ والهوان.

الحرم المكي قفزات هائلة من التوسعات
الحرم المدني قفزات هائلة من التوسعات
قسوة الصحراء تتلاشى أمام الهمم الطموحة
قسوة الصحراء تتلاشى أمام الهمم الطموحة
د. شاهر النهاري