يقال إن الصحابي الجليل سلمان الفارسي - رضي الله عنه - سُئل: "ما الذي يبغض الإمارة إلى قلبك؟"، فأجاب: "حلاوة رضاعتها ومرارة فطامها!". مقالة اليوم تناقش مرحلة ما بعد الفطام للمسؤولين وأصحاب المناصب وتحاول الإجابة على السؤال: كيف تنجح كمسؤول سابق؟

قبل سنوات عاصرت مسؤولاً سابقاً كان يعشق في كل مناسبة رسمية وغير رسمية وفي الخطابات وأثناء الحديث والتغريدات وقت توليه المسؤولية أن يستهل حديثه بعبارة: "بصفتي المسؤول.." وبلغ من شدة حبه وتمسكه بالكرسي أنه راح يحارب جميع الموظفين المميزين تحته ويعمل لهم الدسائس والشكاوى الكيدية ويسعى لتشويه سمعتهم أمام رؤسائه بحملات مدفوعة في مواقع التواصل. كل ذلك حباً في المنصب وسعياً لسد الطريق أمام أي شخص قد يهدد كرسيه الحبيب.

وللأسف الشديد فهذه العينة من عشاق المناصب موجودة على امتداد القارات والمحيطات. وفي محاولة لفهم هذه النفسية شدتني كلمات د. مايلز مونرو في قوله: "القادة الحقيقيون لا يحبون مناصبهم ودائماً يتحينون الفرصة ليجدوا الشخص الذي سيسلمونه هذا المكان، وهؤلاء القادة الحقيقيون ليسوا مرتبطين بألقابهم. ارتباط الشخص بلقب ما يجعله عبداً لذلك اللقب. وعلى العكس فالناس التي تحب المنصب ليسوا قادة لأنهم يحظون بالتقدير نتيجة لذلك وسيكونون مستعدين لقتلك سعياً للحفاظ على اللقب لأن خسارته تعني خسارتهم لأنفسهم، فهم ربطوا أنفسهم بالمنصب واللقب، وكلما زاد تعلق المرء بالألقاب كلما قلت قيمته كقائد".

وأذكر أستاذي الياباني (أزوما موتوئي) عندما كان يحكي عن تجربته إبان عمله بشركة يابانية مرموقة في مجال الإلكترونيات والبرمجيات حيث كان يرفض أن يستهل تعريفه بنفسه باسم شركته أو منصبه، بل يكتفي باسمه. والسبب من وجهة نظره هو رغبته في أن يبني سمعة ونجاحاً لنفسه وباسمه لا ترتبط بمنصب أو شركة أو مؤسسة. ولعلي هنا أحاول أن أطرح بعض النصائح حول آليات النجاح كمسؤول سابق:

إذا ابتليت بمنصب فاعمل بكل جهد وإخلاص وتصرف من أول يوم كما لو أن هذه آخر سنة لك على هذا الكرسي.

تذكر أن فترة الجلوس على الكرسي مؤقتة وهي كنور قادر على أن يسلط الضوء عليك أو أن يحرقك تماماً.

تواصل مع المسؤولين السابقين الذي أحسنوا لك ودعموك في الماضي وعبر عن شكرك وعرفانك فهذه الكلمات تعني لهم الكثير بعدما نسيهم أقرب من كانوا حولهم.

ادعم أعضاء فريق العمل وتمنّ لهم الخير وجهزهم ليأخذوا مكانك.

لا تنتظر من أحد رد الجميل أو أن يتذكرك بعد أن ترحل عن الكرسي فما عند الله خير وأبقى.

وختاماً، نجاح الشخص كمسؤول سابق هو نجاحه كإنسان في هذه الحياة أولاً وآخراً، والنتيجة الحقيقية لن تعرفها إلا بعد أن تغادر الكرسي، وتذكر أنه شتان بين أن يقال عنك "الله يذكره بالخير" و"الله لا يرده!".