يجب علينا كلنا أن نحدد مناطق الضعف من القوة بالنسبة لنا، فلسنا بُلَهاء كما يعتقدون، بل نحدد منابت الغدر ثم نتنحى عنه بسلام وأمان كما علمنا ديننا الحنيف. ورحمة الله على والدي الذي طالما تغنى بهذا البيت: «أحب الهزايع كل يوم.. تُبيِّن لي صديقي من عدوي». فربّ ضارة نافعة؛ لأن تلك هي العلامة الفارقة..

سعدنا كما حزنا، فتجلت لنا إضاءات لم تكن لتتبين لنا ما لم يحدث مثل هذا الحدث! فحزنا وألِمنا كثيراً لما حدث لزميلنا جمال خاشقجي رحمة الله عليه، وهو رجل فاضل له ما عليه، كبقية البشر فلا أحد منا معصوم على الدوام؛ ولكن الأسى يتضاعف مراراً، حين تكشفت لنا الغمائم عن دول نحسبها صديقة، فنذهب إليها ونزور معالمها، ونسكب أموالنا في حلاقمها، ونحتفي بزعمائها حين يفدون إلينا، وندعو لها إذا ما حدث لها مكروه.

هذا هو موقف الشعب السعودي المحب لكل البشر والعاطفي إلى أبعد الحدود. أما عن الموقف الرسمي، فهو داعم، صديق، حليف، مدافع، ودافع بكلتا يديه من مال ودعم وإعانات وغير ذلك كثير، بالإضافة إلى تلك الاستثمارات التي تقدر بمئات المليارات، وهناك الجسور الجوية والقوافل وبلا مبالغة.

وهذا يعني أن يد المملكة في كل فم في العالم كله من دون استثناء، وهذا ما يتوجب على الإنسان الطبيعي الذي لا يعرف سوى الإنسانية، والوجود الإنساني، الباعث على الحب، الإخاء، التسامح الود، ومن دون مقابل. لكن هذا في عالم الأسوياء البعيدين عن الحقد والكراهية والتدليس وسلطة المال التي أعمت القلوب ودمرت العالم الحديث. ونحن هنا لا نتحدث عن دولة واحدة، بل عن دول عديدة في الوطن العربي كله وفي أوروبا! وهذا مبعث حزن وأسى لا حدود له. فالعربي يعطي بكلتا يديه ولكنه يمقت الغدر والخيانة ويقدس الوفاء والكرامة. أتذكر ذلك المشهد الأصيل للرجل العربي في صحراء الجزيرة العربية حينما كنت أكتب موسوعتي "الجزيرة العربية"، وهو أن الرجل تربطه بناقته علاقة حب ووفاء تصل إلى درجة البنوة، حتى إن الجمل يبكي ويحجم عن الزاد لفراق صاحبه إلى أن يضعوا ثوبه على أنفه ويشم رائحته، ثم نجد العربي يذبح ناقته تلك لقدوم غريب لا يعرفه إكراماً وعطاء لا يوجدان في هذا العالم المقيت! هذه مآثرنا نحن دون غيرنا، وكنا نعتقد أنهم مثلنا وهذا سوء تقدير منا، والعيب فينا، فالعالم لم يعد يدار بالشّيم التي ورثناها، بقدر ما يدار بالحقد الدفين ليس إلا! ولا أحد يقُول لي "مصالح"، فمصالح العالم كله مع المملكة العربية السعودية، وهذا واضح وجلي لكل من يحمل رأساً على كتفيه!

نحن كشعب قد نكون محتاجين لتلك المليارات التي نراها تذهب هنا وهناك، فنحن كأي دولة في العالم فيها الفقير والغني، لكننا سعداء في اللحظة ذاتها لكرم وجود بلادنا على العالم الذي يقتات على ما حباه الله لهذه الأرض ومن دعوة إبراهيم عليه السلام لها. فهذا ليس افتخاراً ولا منَّة، وإنما تبيان لجين العربي الأصيل كما نتج في بحثي عن سمات الشخصية، فهي كما تحدث عنها "وثسجنر" حين قال: إنه اشترى ثوباً من السوق لدليله في الصحراء، ثم وجده يرتق ثوبه القديم، وحينما سأله عن الثوب قال له: إنه أعطاه لرجل يحتاجه. هذه هي شخصية ابن الصحراء الأصيل الذي لم تلوثه نزعات السلطة والتآمر ونزعات الإرهاب وتمويله، وهذا التلوث البيئي هو منبع حزننا!

الغيم الآن تكشّف، واستبانت الرؤى، وانجلى البصر للشعب قبل الدولة ولله الحمد.

أما عن سعادتنا المتلاقحة بالحزن المقيت، فهي لأنه اتضح لنا الصديق من العدو، الوفي من الخائن، الطامع في السلطة من العادل الشفيف، والمتلهف للمال، ولوي ذراع الأمور للحصول على مكاسب هو يعرفها، فالمملكة كاشفة تعلم بواطن الأمور، وغداً تدور الدوائر.

نحن علماء الدراما - والدراما هنا ليست الحزن كما يظنها البعض وإنما الحبكة كلها في أي عمل فني له توازنه - نعرف مكمن الاكتشاف، وهو فعل من الأفعال يكشف الحدث برمته. وتسمى "نقطة التكشُّف". ونحن الآن في هذا المسار المأساوي الدرامي، نجد أن نقطة التكشف فيه هي مصرع خاشقجي - رحمه الله -، فبهذا الحدث انكشف لنا العالم كله، وعرفنا موقع كل واحد فيه سواء كان دولاً أو أفراداً وما تحويه صدور هؤلاء. ومن الغباء أن نتعامل معهم كما كنا، ذلك على المستوى الشعبي قبل الدولة نفسها، ويجب علينا كلنا أن نحدد مناطق الضعف من القوة بالنسبة لنا، فلسنا بُلَهاء كما يعتقدون، بل نحدد منابت الغدر ثم نتنحى عنه بسلام وأمان كما علمنا ديننا الحنيف. ورحمة الله على والدي الذي طالما تغنى بهذا البيت: "أحب الهزايع كل يوم.. تُبيِّن لي صديقي من عدوي". فربّ ضارة نافعة؛ لأن تلك هي العلامة الفارقة.!