الإعلام المرتزق ذو النهج المفضوح في الكذب والتزييف واختلاق الوقائع دون سند من حقيقة أو ضمير يعيش مأزِقاً قيمياً وأخلاقيّاً يتعامى في تعاطيه عن تاريخ المملكة وركائز حكمها وتشريعها الذي لا يرتهن للغوغائية أو القرارات المرتجلة والانفعالية..

لا يمكن لأيّ باحث أو مراقب حصيف ومتبصّر أن يتجاوز التجربة السياسية السعودية دون أن يتوقّف بإعجاب أمام خصائصها وسماتها وكفاءة نظامها. مبعث هذا الإعجاب هو حالة الثبات والاستقرار سواء السياسي أو الاقتصادي وما يستتبعه من رفاه ورخاء واعتزاز بمنظومته القِيَميّة وعدل ومساواة وغيرها.

فالمتتبّع للتغيرات السياسية على المستوى الدولي والقارئ لتاريخ الدُّول يستنتج حقيقة مهمّة تعزّز لدينا هذا الاعتزاز والتباهي بالتجربة السياسية السعودية الفذّة؛ ذلك أنّ معظم الدُّول -حتى الكبرى منها- وعلى مرّ حِقَبِها ومراحلها تفتقر لهذا الثبات والاستقرار حيث المعاناة من قصور حقيقي في تأمين الغذاء، والتعليم، والثروة، والدخل، والصحة وغيرها.

في تعليق للمفكّر الأميركي صمويل هنتنجتون عن الأنظمة السياسية المتطوّرة والمتخلّفة يلفت إلى أنّه، وباستثناءات قليلة بارزة، اتّسم التطوير السياسي في بعض البلاد بعد الحرب العالمية الثانية بازدياد الصراع العِرْقي "الإثني" والطبقي، وتواتر أعمال الشغب وعُنف الدهماء والرعاع، وكثرة الانقلابات العسكرية، وهيمنة قادة ذاتَويّين متقلّبي الأطوار يُطبّقون سياسات اقتصادية واجتماعية كارثية، وفساد صارخ منتشر بين أعضاء مجلس الوزراء والموظفين المدنيين، وانتهاك عشوائي لحقوق المواطنين وحريّاتهم، ومعايير متدنّية في الكفاءة ثم يمضي في رأيه ليشير إلى أنه خلال خمسينيات القرن وستّينياته، ازدادت حالات العنف والاضطراب السياسي ازدياداً كبيراً في معظم بلاد العالم.

اليوم تشهد المملكة العربية السعودية حراكاً سياسياً واقتصادياً لافتين ونشهد زيارات وجولات ملكية يترافق معها ويتزامن حزم كبيرة من المشروعات التنموية والتطويرية والتحديثية في شتى المجالات، حراك عماده المواطن الذي يراهن عليه قائد البلاد وراعي نهضتها، وهو ما أكّده -أيده الله- في خطابه أمام مجلس الشورى ورسم عبر مضامينه مسيرة البلاد ومواقفها من الأحداث المتتابعة على الساحتين الإقليمية والدولية.

هذا الحراك وتلك الزيارات الملكية ليسا وليد اللحظة وإنما هما نهج بدأه المؤسس العبقري الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- الذي كان حريصاً على الالتقاء بشعبه انطلاقاً من قناعته الراسخة بأنّ تلك اللقاءات تصب في مصلحة الوطن والمواطن فقد قال -رحمه الله- في إحدى خُطَبِه مخاطباً وجهاء المنطقة وأعيانها في الحفل الذي أقامه في جدة تكريماً لهم في 25 محرم 1355هـ/ 17 أبريل 1946م: "أنا لا أحب أن أشق على الناس، ولكن الواجب يقضي بأن أصارحكم. إننا في أشد الحاجة إلى الاجتماع بكم لتكونوا على علم تام بما عندنا، ونكون على تام بما عندكم، وأود أن يكون هذا الاتصال مباشرة وفي مجلسي لتحملوا إلينا مطالب شعبنا ورغباته، وتحملوا إلى الشعب أعمالنا ونوايانا. إني أود أن يكون اتّصالي بالشعب وثيقاً ودائماً، لأنّ هذا أدعى لتنفيذ رغبات الشعب".

فهل بعد هذا يساور أحداً شكّ أو ريب في تماسك هذا الكيان لمملكتنا الفتية واستقرار وثبات كيانها السياسي؛ وأنّه ثمرة تراكم كبير وعظيم من الخبرة وصدق النيات والدأب الذي لا يفتر في التحديث والتطوير والدفع بعجلة النماء في كل اتجاه؟

إن الموقف الواعي والحصيف من الرئيس الأميركي الذي أعلنه أمس من أنّ المملكة شريك أساسي ومهم لبلاده وتعهّده بالمضي في تعزيز هذه العلاقة وبما يخدم الطرفين هو تبيان جليّ لهذا الاستقرار السياسي ونموذجيتّه ورسوخه.

أمّا تشهده الساحة السياسية حالياً من تصعيد ومساومة وابتزاز رخيص في قضية المواطن جمال خاشقجي وتعاطي الإعلام معها بحالة من "الهيجان الإعلامي" كما وصفها الأمير تركي الفيصل في أحد الملتقيات الفكرية مؤخراً؛ فلا يعدو كونه تَسَفُّل ووقاحة يمارسهما الإعلام المرتزق ذو النهج المفضوح في الكذب والتزييف واختلاق الوقائع دون سند من حقيقة أو ضمير.

وهو إعلام يعيش مأزِقاً قيمياً وأخلاقيّاً يتعامى في تعاطيه عن تاريخ المملكة وركائز حكمها وتشريعها الذي لا يرتهن للغوغائية أو القرارات المرتجلة والانفعالية؛ ولا يعي أنّه ينطلق من عُمق رؤيوي وتؤدة لا تنساق مع الاستفزازات الرخيصة ولا تتّخذ موقفاً دون إعماله فِكرياً حتى ينضج ويكون مستوفياً للقرار السياسي الرصين.

وإزاء ما تقدّم لا يمكن إغفال دور السلوك التفاوضي الذي تديره المملكة على أعلى درجات الحكمة والتعقّل والبراعة مع الجانب التركي والذي أعلنه وزير الخارجية عادل الجبير حين أكد على أن المملكة كانت متعاونة إلى أقصى حد وقد طلبت -ضمن جهودها في التحقيق- ولثلاث مرّات الأدلة التي تحتفظ بها تركيا دون تجاوب. ولا شك أنّ هذا المسار التفاوضي الرزين يعكس رجاحة القرار السياسي وعقلانيته التي تتغيّا الخير والحقيقة لا سواهما.