قد يظن الإنسان أن الهجرة وبال في الغالب، بيد أنها كانت إحدى صور النعم والعناية الإلهية للجنرال جون بصرف النظر عن طريقة عيشه، ففي النهاية عاش بين أقوام يظنون أن بقايا الأمم قد هرِمت وأُنهِكت وأنهم يتزعّمون هذا العالم الفسيح..

تحت جُنح الليل قائد عسكري برفقته كاتبة كئيبة من الداخل، قلمها أصابُه العجز لفترة من الزمن، ربما قد استقال عقلها من ذاتها، وأصبحت لا تعرف للطريق عودة. كلاهما خاض معارك مُنهكة، قاسية، شرسة للغاية.. تعلما منها قوة الإرادة السماوية المُتمثلة بـ "كُن فيكون".

كلاهما يتحدث عن معاركه وكيف انتصر ونجا من الموت بأعجوبة! واتفقا في نهاية الحوار أن النصائح التي تأتي بعد خوض المعارك عقيمة، وأن ما يجب فعله الآن هو إصلاح كل ما يمكن إصلاحه وبأقصى سُرعة، وبأقل درجة من غباء الماضي؛ لأن الغباء مرفوض في عملية الإصلاح. واتفقا أن تُحارب هي بقلمها مُعتقدين أن الحروف مهما هُجِرت ستصل إلى أذهان القادة على مر العصور، وهو يُرمم أخطاء الماضي؛ ليواكب الحاضر وينتصر لمستقبل وطنه، ثم تعاهدا على العُزلة المجيدة، وأظن الإنجليز يفهمون هذا النوع من العُزلة.

هذا ما حدث تحت جنح الليل، والخُلاصة من حوارهما أن يُسيطرا على أحداث المستقبل، هكذا يجب أن يحميا نفوذ السُلطة خارج حدود الوطن، كما يرى مستشارو الرئيس الأميركي "ترمب" أن وطنهم –أميركا- يجب أن يستمر بالسيطرة على أحداث المستقبل وأن يدرُس حُلفاءه عن كُثب، خاصة في الشرق الأوسط، وهناك إشارات ودلالات تبرهن على مدى البعد الاستراتيجي في مشورة هؤلاء المستشارين، كحركة التغييرات التي أجراها الرئيس الأميركي ترمب في السلك الدبلوماسي مؤخراً، والتي شملت ترشيح سفراء في دول مهمّة بالشرق الأوسط كالعراق والسعوديّة، واللافت أن من تمّ اختيارهم لمهام جديدة في هذين البلدين هم من العسكر والاستخبارات. وهما الجنرال المتقاعد جون أبي زيد الذي شغل منصب قائد القيادة المركزيّة الأمريكيّة خلال حرب العراق، لمنصب سفير الولايات المتحدة في الرياض، وماثيو تولر الحاصل على أرفع وسام من الاستخبارات الأميركيّة، وكان ضمن القوّات المُحارِبة في العراق، لمنصب سفير الولايات المتحدة في العراق.

وهو اختيار ذكيّ واستراتيجي فالشخصيات المذكورة أعلاه تُجيد اللعب بأكثر من دور، كمستشارين في السياسة والأمن، وأكاديميين، بالإضافة إلى أنهم عسكريون يستطيعون أن يُديروا الأزمات -إن حدثت- سواء في البُلدان التي يقطنون بها أم بالبُلدان المجاورة لها. فعلى سبيل المثال سيرة الجنرال جون أبي زيد الغنية بالخبرات والمؤهلات حيث نجد أنه قد تخرج من الأكاديمية العسكرية الأميركية المرموقة في ويست بوينت في نيويورك، عام 1973 وحصل على ماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة هارفارد، كما درس في جامعة عمان في سبعينيات القرن الماضي، وتخرج منها وهو يتحدث العربية بطلاقة. وقد عُرف بين زملائه بـ"العربي المجنون" والخبير بشؤون الشرق الأوسط؛ نظراً لأصوله العربية التي تنحدر إلى أسرة في لبنان. وقد أعدّ خلال دراسته في جامعة هارفارد أطروحة عن سياسات السعودية الدفاعية، ونالت إعجاب وتقدير نداف سفران، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد، واعتُبرت أطروحته من أفضل الأطروحات بالنسبة له.

عوضاً عن ذلك لم يعش أجداد جون حياة كاملة، أو بمعنى أصح حياة طبيعية فقد هاجر أجداده من قرية مليخ بقضاء جزين في جنوب لبنان إلى كاليفورنيا في أواخر القرن التاسع عشر، وحتى جون ذاته لم يعش تلك الحياة الكاملة والمثالية، فقد اهتم والده الذي كان يعمل ميكانيكياً في البحرية الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية بتربيته بعد أن توفيت والدته بالسرطان وهو طفل صغير.

قد يظن الإنسان أن الهجرة وبال في الغالب، بيد أنها كانت إحدى صور النعم والعناية الإلهية للجنرال جون بصرف النظر عن طريقة عيشه، ففي النهاية عاش بين أقوام يظنون أن بقايا الأمم قد هرِمت وأُنهِكت وأنهم يتزعّمون هذا العالم الفسيح، وقد لاقى الجنرال أرضاً خصبة لطموحاته ودفعه عقله للبحث في شؤون الشرق الأوسط؛ لا لأصوله التي تعود إليها إنما ليقينه التام أن الشرق الأوسط هو المسرح المُهيأ للعروض العسكرية الفتّاكة، والمسرحيات السياسية الشيّقة "بالمستقبل القريب"، وقد تميّزت الأرض الخصبة التي عاش فيها بصناعة القادة ورُبما قد تعلّم من موطنه "أميركا" كيف يتم استثمار العقل البشري وكيف يكون الإنسان إنساناً له وجود أينما رحل وارتحل، وهو جانب جوهري بعيداً عن المال والجاه، يكمن في المعنى والقيمة فماذا لو لم يُهاجر أجداده، هل سيكون هناك جنرال يُدعى جون؟

ماذا لو كان الجنرال جون كالقائد العسكري أو الكاتبة الكئيبة اللذين يضيّعا وقتهما في معارك لا تُجدي نفعاً إنما "مُنهكة للقوى، مُحبطة للمعنويات" في سبيل الدفاع عن أرضهما التي لم يُفارقاها منذ أن ولدا بها.. أعتقد لو كان بمثل ظروفهما لم نره جنرالاً يحترمه ويثق به الجميع لأن الفرق بينهم جوهري، وهي العناية العُليا في بلاط السلطة التي اعتنت بطموح الجنرال جون كانت مُختلفة عن العناية العُليا للقائد العسكري والكاتبة، ثم لا نكتفي فقط بالعناية إنما بوجود مستشارين يعلمون جيداً كيف يستثمرون العقول والطاقات البشرية في البلاد، العقول التي سترسم سياسات البلد الخارجية بكل عناية فائقة ودهاء، هكذا تُصبح العقول وقوداً للسلطة، ثم هكذا تستطيع أن تُعبِّر عن خوفك على مصلحة بلدك، ثم لا نكتفي بالتعبير إنما العبرة بالتنفيذ، وأي تنفيذ!