منذ أن عرفت الإعلام، بكل أشكاله ومنطلقاته وأهدافه الظاهرية والخفية؛ لم أرَ قضية حظيت بالاهتمام الأكبر كما فعلت "حادثة خاشقجي"، التي غيرت كثيرا من المفاهيم الإعلامية والاتصالية، وأزالت الحصون عن كثير من المؤسسات الإعلامية، بعدما خلعت أقنعة المهنية والموضوعية، وراحت تراهن عن تخندقات حزبية، ومشاريع فردية، ومقامرات مؤقتة.

من الضروري، الضروري جدا، التذكير ببعض الحقائق في القضية، والتي تخبت وتظهر بشكل متقطع، بعضها بسبب الضخ الإعلامي والمعلوماتي، وأغلبها تغيب بنوايا مسبقة، من قبل أجندة تريد لها أن تذوب، أو تتلاشى تدريجيا، أو تغيب عن الناس.

أولا: القضية سعودية، وأصحاب الحق هم أبناء جمال خاشقجي، عائلته بشكل عام. كل من زعم القرب والأهمية والاهتمام والحرص هم أشياء طارئة، لا تغير من الحقيقة شيئا. وقد استقبل العائلة الملك السعودي، وولي عهده، ووعدا بالتحقيق في القضية، وملاحقة المتسببين.. ثم ظهر صلاح وعبدالله، عبر محطة الـCNN الأميركية الشهيرة، وتحدثا عن ثقتهما بالقيادة والقضاء السعودي. استقبلوا العزاء، بعدما تمت الصلاة، وعاد صلاح ليؤكد موقفه المتسق مع وجهة النظر السعودية بعدما أعاد نشر تغريدات الأمير خالد بن سلمان، سفير الرياض في واشنطن، حول القضية. ولهذا، ولغيره، تسقط أي مطالبات خارج هذه السياقات، أو أي محاولة لاختطاف القضية، وتشكيلها في تعريفات أخرى.

ثانيا: المقتول سعودي، والمتهمون سعوديون، ومكان الجريمة "أراضٍ سعودية". ما يعني أن إجراءات التقاضي ستكون وفقا للنظام القضائي السعودي، في المحاكم السعودية، تماما كما قال عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي. وهذا يعني أن أي محاولة لتدويل القضية لن تنجح.

ثالثا: اعترفت الرياض بشجاعة بالحادثة، وبدأت التحقيق والبحث، رغم كل ما واجهته من ضغوطات مصاحبة، وحملات إعلامية غير عادلة، حاولت تسييس القضية، وتحويرها والاستفادة منها. مع ذلك، قوبل هذا الاعتراف بارتباك في الروايات التركية، التي لم تجرؤ على الوضوح، مستخدمة التسريب والابتزاز الإعلامي، من أجل الهروب من فرضيات التجسس، التي صارت أقرب للحقيقة، وتتطلب تحقيقات لا تقل أهمية عن حادثة القتل.. لأن ذلك يعني تجسس أنقرة على كل السفارات والممثليات الدبلوماسية في الأراضي التركية.

لقد مرت السعودية بمنعطفات وحوادث لا تقل أهمية مما حدث، وتجاوزتها بالسياسة الحكيمة والإنصاف والعمل الإعلامي المتزن، وها هي تفعل الآن مثل كل مرة. لا شيء يبقى للأبد، لكن التاريخ لن ينسى مواقف الدول، والناس.. وتلونهم. والسلام..