تحكم العادات والتقاليد العشائرية الراسخة معظم شؤون العراق، لكن القضاء قال كلمته أخيراً، معتبراً أن التهديدات التي تسبق التفاوض للتسوية قبل الثأر وما ينجم عنها من قتلى وجرحى، "إرهاب" عقوبته الإعدام. ويعرف في العراق مصطلح "الدكة العشائرية"، ما يعني مرحلة التحذير، وهو تقليد يعود لقرون عدة، لكن مع انتشار السلاح بشكل متفلت خلال دوامة العنف التي شهدتها العراق، أصبحت تلك العادة خطراً كبيراً. وتتلخص "الدكة العشائرية" بإقدام مسلحين ينتمون لعشيرة على تهديد عائلة من عشيرة أخرى، من خلال عملية إطلاق نار أو إلقاء قنبلة يدوية أحياناً، على منزل المقصود، كتحذير شديد اللهجة لدفعها إلى الجلوس والتفاوض لتسوية الخلاف، وفي حال عدم موافقة الطرف المستهدف، تتطور الأمور لتؤدي إلى وقوع ضحايا من الطرفين. وكانت عائلة أبوطيبة ضحية لهذا التقليد، فابن عمه الشرطي البالغ من العمر 40 عاماً، "يرقد في المستشفى بين الحياة والموت" إثر إصابته برصاصة أطلقها مسلحون على منزل قريب، أدت إلى كسر في الحوض وجروح بليغة أخرى فقد على إثرها جزءاً من أمعائه"، وفق ما يقول أبوطيبة لوكالة فرانس برس. وطالبت قيادة عمليات بغداد، في خطاب رسمي نهاية الشهر الماضي، مجلس القضاء الأعلى بتشديد العقوبة على منفذي "دكة العشائر"، لأنهم يحملون قنابل يدوية وقاذفات "آر بي جي" وأسلحة رشاشة، ورغم ذلك يطلق سراحهم "بكفالة". وأعلن مجلس القضاء الأعلى في بيان الأسبوع الماضي "اعتبار الدكات العشائرية من الجرائم الإرهابية، وضرورة التعامل مع مرتكبيها بحزم". وأشار إلى أن المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب الذي أقر العام 2005، تنص على أن "التهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أياً كانت بواعثه، يعد من الأفعال الإرهابية". وبعد ثلاثة أيام من القرار، أعلن المجلس اتخاذ إجراءات بحق ثلاثة متهمين قبض عليهم أثناء قيامهم بـ"دكة عشائرية" في منطقة الأعظمية بشمال بغداد. وتشهد مناطق متفرقة في العراق، وضمنها بغداد، هجمات مسلحة مماثلة يومياً، الأمر الذي يؤدي إلى سقوط ضحايا وبث الرعب بين الناس، يقول رئيس مجلس عشائر محافظة البصرة في جنوب العراق رائد الفريجي لفرانس برس: إن "الدكة عرف عشائري ابتلي به بعض المواطنين"، مؤكداً أن "هذا يحدث يومياً، أمس حدث مرتين وأمس الأول ثلاث مرات، أدت إلى وقوع جرحى وأضرار مادية وإنزال رعب بين الناس". وفي العام 2017، قتل وجرح "أكثر من عشرة أشخاص جراء دكات عشائرية في البصرة"، بحسب ما يشير مسؤول مفوضية حقوق الإنسان في المحافظة الجنوبية مهدي التميمي. وفي البصرة كما في كل محافظات العراق، تغيب أي إحصاءات رسمية لعدد ضحايا العنف العشائري، رغم حساسية المسألة. ويتفق التميمي والفريجي على أن هذه الظاهرة تتزايد لأن القضاء لا يمارس ضغوطاً كبيرة بمواجهة هذه العادات. فرجال الشرطة الذين يخافون أن يجدوا أنفسهم عالقين وسط نزاع عشائري، لا يمكنهم التدخل. في هذا الإطار، يحمل عدنان الخزعلي، أحد زعماء عشائر مدينة الصدر في شرق بغداد، "الحكومة مسؤولية تصاعد النزاعات العشائرية". ويعتبر أن ضعف القوات الأمنية اليوم، سببه فقدان السيطرة على انتشار السلاح الذي يصل إلى أيدي الشبان العاطلين عن العمل في بلد تنخره البطالة والفساد. ونتيجة لذلك، "غالبية الشباب اليوم مسلحون، ولا تستطيع حتى القوات الأمنية الوقوف في طريقهم". ويقول المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية اللواء سعد معن: إن "هذه الحوادث متكررة، وتؤدي أحياناً إلى وقوع ضحايا"، معتبراً أن السبيل الوحيد لإنهائها هو عبر "اتخاذ قرارات قضائية وتنفيذها". ويلفت الفريجي في هذا الإطار إلى أن القرارات حتى اليوم "مجرد حبر على ورق". ويضيف أن "ضعف القانون" هو السبب للجوء إلى الأعراف العشائرية لتسوية الخلافات، معتبراً أن "المجتمع أصبح اليوم أشبه بالغابة، لذا يلجأ المواطن إلى العشيرة" لإحقاق العدالة.