قطع الطريق على كل أهل الضلال والتحزبات باختلاف مشاربهم والحيلولة دون اقتناصهم للناشئة، ودسِّ سموم الأفكار المنحرفة لهم في عسل الأنشطة، فقد يتطفَّلُ على هذه الأنشطة من يتستَّرُ بِستارِ الحرص على الخير، فيستغلُّها في أشياء تضر المجتمع في دينه وأمنه واستقراره ومستقبله..

من أساليب الحكم الراشد على ممر العصور إناطة الأعمال بالأكفاء، وذوي الخبرة والغَناء، وقد انتهج ولاة دولتنا المباركة المملكة العربية السعودية هذا النهج، فكانوا يُعيِّنون الرجل المناسب في المنصب المناسب، ويضعون أمانات المسؤوليات في أيدٍ أمينة قوية، ويُرِّشحون للمهامِّ رجالاً تتجسَّدُ فيهم الكفاءة بعينها، وتتجلَّى فيهم الجدارة بذاتها، ومن نماذج ذلك وزير الشؤون الإسلامية معالي الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، فقد كان اختيار الدولة له اختياراً موفقاً، وقراراً مسدّداً، وكان عند حسن الظن به، فما إن استلم مقاليد شؤون الوزارة حتى احتزم بالجدّ، وتدثّر بالنشاط، وخاض عُباب الإصلاح غير هيَّابٍ ولا متوانٍ، وتوالت أعماله الجليلة، وإنجازاته الكبيرة منذ تسلمه للوزارة ماثلة أمام أعين الجميع، واضحةً وضوحاً لا لبس فيه ولا غموض، وهي بهذا مُجسَّدةٌ على أرض الواقع لحنكته، ومُنبئةٌ عن حسن خبرته، ومن تلك الأعمال والإنجازات:

أولاً: تأسيسه للرقم الموحد 1933 لاستقبال الملحوظات على جميع منتسبي الوزارة من الأئمة والخطباء، والدعاة، وغيرهم، وكُلِّف باستقبال المكالمات على هذا الرقم موظفون متدربون على حسن التعامل مع المتصل على الوجه المثمر، ومعلوم ما في إتاحة وسيلة الاتصال بالمسؤول من إيجابياتٍ جمّةٍ؛ فكم من شخص يمكنه بواسطة الاتصال إيصال الشكوى أو الملحوظة أو الاقتراح، ولا يمكنه التوجه إلى مقر المسؤول للإدلاء بما عنده، وتأسيس مثل هذا الرقم لتلك الغاية برهانٌ واضحٌ على ما يتحلَّى به هذا المسؤول من ثقةٍ بمبادئه، وتحرٍّ للحق، واستعدادٍ للتصحيح، وتشوُّفٍ إلى التطوير، كما أن تأسيس هذا الرقم من شأنه أن يحمل منتسبي الوزارة على الانضباط، واحترام الأنظمة؛ لأن من استشعر أن خلفه محاسبة ومتابعة مستمرة احتاط في عمله، وجرى فيه على ما أمكنه من السداد، وحرص على كل ما يضمن تحسين جودة الأداء.

ثانياً: منع البرامج والرحلات غير المتعلقة بتحفيظ القرآن، وقصر عمل التحفيظ على الحفظ والتلاوة والتجويد، وهذه خطوةٌ مباركةٌ يُحيىَّ عليها معالي الوزير، وكما هو المظنون به فقد أصاب محزَّ المصلحة في قراره هذا، ويتضح ذلك من خلال النقاط الآتية:

1 - أن الوقت المتاح للتحفيظ محدود، واللائق توظيفه لمهمة التحفيظ، وعدم تبديده في البرامج والرحلات، ولو عدنا إلى هدي السلف لوجدنا أنهم يعمرون الأوقات بالعلم والتفهم، فقد قال أبو عبدالرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً.

فهكذا سنة الإقراء جِدٌّ واجتهادٌ في التَّلقي والتطبيق، وحرص عظيم على الإتقان، حتى إنهم لا ينتقلون من سورة ما لم يعلموا ما فيها فهماً وتطبيقاً، وشتّان بين هذا وبين الاقتطاع من وقت التحفيظ لترفيه مُستغنى عنه، والنفس البشرية وإن كانت تحتاج لإجمام يبعد عنها السآمة، لكن وقت التحفيظ أضيق من أن يسبب السآمة.

2 - لا طائل تحت دعوى من يقول: إن منع الأنشطة الأخرى غير تحفيظ القرآن وتلاوته وتجويده هو محاربة لحلقات التحفيظ، وما هذه إلا دعوى كاذبة، فالذي يُبدِّدُ وقت حفظ القرآن وتلاوته وتجويده بأنشطة ورحلات لا تمتُّ له بصلةٍ، ويجعلها مزاحمة لهذه الغاية السامية هو من يُحاربُ حلقات التحفيظ، وهو من يفتحُ عليها انتقاد الناقدين، ويجعل لهم طريقاً عليها، ولم تثبت هذه الرحلات بنصٍّ شرعيٍّ، ولا اجتهادٍ فقهيٍّ حتى يُعضَّ عليه بالنواجذ، بل هي وسيلةٌ جرَّبها الناس فترةً لرأي ارتآه من ابتكرها، ويمكنهم الاستغناء عنها متى رأوا أنها قليلةُ الفائدة، أو منتجةٌ لمفسدة، وما زال الحكماء يستبدلون الوسائل بغيرها، ولا يجمد على وسيلة معينة إلا من يعاني من فقر مدقع في أهلية الابتكار والإبداع، وحاشا وزارة على رأسها مثل هذا الوزير أن تكون جامدة الأفكار، محدودة الإبداع.

3 - قطع الطريق على كل أهل الضلال والتحزبات باختلاف مشاربهم والحيلولة دون اقتناصهم للناشئة، ودسِّ سموم الأفكار المنحرفة لهم في عسل الأنشطة، فقد يتطفَّلُ على هذه الأنشطة من يتستَّرُ بِستارِ الحرص على الخير، فيستغلُّها في أشياء تضر المجتمع في دينه وأمنه واستقراره ومستقبله، ولا يُقارنُ ضرر هذا بما يتوهم من مصلحة هذه الرحلات، التي ليس لها أصلاً مستندٌ نظامي، ناهيك أن مثل هذه الرحلات قد لا تخلو من حوادث عرضية قد تنعكس سلباً على حلقات التحفيظ نفسها، وللحديث بقية.