انتشار «تويتر» الدولي، وتلك الأرقام الهائلة من الحسابات في هذا التطبيق، غيرت مفهوم التواصل الاجتماعي بلا شك، وأصبح «تويتر» ناقلاً مباشراً للتفاعل الإنساني على المستوى الفردي، حيث يعبر الأفراد في هذا التطبيق عن ذواتهم بشكل دقيق ومباشر..

ليس هناك شك في أن محاولة الفهم الدقيق للتأثيرات المحتملة لـ"تويتر" كواحد من أكثر التطبيقيات الحديثة عالميا في مجال التواصل الاجتماعي، تشكل منطقة مضطربة لكثيرين، وهذا طبيعي نظرا لحداثة هذا التطبيق الذي تم تأسيسه في مارس عام 2006، وقد أطلق في يوليو من العام نفسه، وهذا يدل على أن عمر هذا التطبيق ما زال في مرحلة الطفولة، ولذلك فإن كمية وتنوع الاستخدمات المحتملة لهذا التطبيق ليست واضحة بشكل دقيق في كل العالم وليس في منطقتنا العربية.

في اعتقادي أن القوة السياسية لهذا التطبيق أتت بشكل كبير مع مجيء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أدار جزءا كبيرا من السياسة الأميركية عبر هذا التطبيق، وأعتقد أنه بسبب الرئيس ترمب تم بناء كاريزما "تويتر"؛ نظرا للتأثيرات الشديدة التي خلقها ترمب لهذا التطبيق، حيث أصبحت تغريدات الرئيس الأميركي بمنزلة قرارات حية على الهواء، تؤثر فيها الانفعالات، وتتحكم فيها المواقف الشخصية، ولكنها في النهاية لها تأثير قوي؛ حيث يعتبر التغريد عبر "تويتر" دليلا قويا يستند إليه كثير من المتابعين والمحللين في المجال السياسي.

على الجانب الآخر، لم يكن ترمب هو الوحيد بين الرموز السياسية التي استخدمت "تويتر" في العالم، ولكن يظل ترمب الأكثر إثارة في العالم، فبينما يستخدم "تويتر" على مستوى السياسيين في العالم بكل حذر ودقة، فإن الرئيس الأميركي لم يكن في يوم من الأيام ممارسا للحذر في تغريداته، التي هي في الغالب انطباعات خاصة به، ولكنها تتحول إلى وجهة نظر سياسية يتم العمل من خلالها.

انتشار "تويتر" الدولي، وتلك الأرقام الهائلة من الحسابات في هذا التطبيق، غيرت مفهوم التواصل الاجتماعي بلا شك، وأصبح "تويتر" ناقلا مباشرا للتفاعل الإنساني على المستوى الفردي، حيث يعبر الأفراد في هذا التطبيق عن ذواتهم بشكل دقيق ومباشر، بل إن ممارسة التغريد في "تويتر" تشكل نقلا مباشرا للصورة الحقيقية للتفكير الإنساني الحالي، الاختلاف الوحيد يكمن في البيئات التي يوجد فيها "تويتر"؛ حيث تتفاوت الأنظمة السياسية من حيث درجة الرقابة على هذا التطبيق، وعبر ملاحظة خاصة فإن قوة التفاعل في "تويتر" مرتبطة وبشكل دقيق بقوة الرغبة الفردية في التعبير، لذلك عمد كثير من الدول إلى وضع ضوابط تقنية وقانونية؛ للحد من قوة التعبير وفقا للنظام الاجتماعي السائد، ولكن ذلك أيضا خلق أزمة أخرى.

هذه الأزمة تتمثل في المساحة المفتوحة التي يتركها هذا التطبيق للتعبير الحر تحت أسماء مستعارة، وهذة السمة في هذا التطبيق تجتذب ملايين المتابعين والحسابات، وفي اعتقادي أن "تويتر" لن يتخلى عن فتح المساحة لمثل هذه الأسماء المستعارة؛ كونها تخدم أهدافا تجارية وسياسية واقتصادية كبرى على مستوى الدول، وقد يضاعف "تويتر" من درجة الخصوصية والأمان لمثل هذه الحسابات وغيرها من الحسابات الجريئة.

الأزمة التي يجب أن يتم فهمها في محاولة تحليل دقيق لسوسيولوجيا التفاعل في "تويتر" تكمن في فرضية أن "تويتر" يشبه الكون في مساحته وفي توسعه أيضا، ولذلك فإن الاستخدام المتزايد لهذا التطبيق يعبر عن ثورة كبرى في المجال السياسي والاجتماعي والثقافي، ولذلك فإنه يمكن الحصول على نتائج كبرى لهذ التطبيق بعد عشر سنوات أخرى من عمر هذا التطبيق، وهذا التأثير لن يكون مرتكزا فقط على الشرق أو الغرب، بل من المتوقع أن يكون حجم التأثير مرتبطا بقدرة هذا التطبيق مستقبلا على تلبية احتياجات كل مجتمع على حدة.

"تويتر" تطبيق فاعل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وسوف يؤدي في المستقبل وظيفة أكثر تأثيرا عندما تصبح المجتمعات أكثر تعقيدا وأكثر تنوعا؛ بسبب المساحات المفتوحة من التعبير الدقيق عن مشكلاتها، فهذا التطبيق وعبر كلمات محددة يسهم في الذهاب إلى لب المشكلة بكلمات قصيرة ومباشرة، وعلينا الاعتراف بأن العقود العشرة الأخيرة شهدت ظهور كثير من الأدوات التكنولوجية التي تستدعي الحذر عند التعامل معها؛ لأنه يصعب ضبطها.

أدوات التواصل الاجتماعي تبدو ناعمة الملمس لكثير من المجتمعات، وتبدو سهلة في إدارة معاركها وكأنها لعبة من الألعاب الإلكترونية، ولكن الحقيقة تختلف عن ذلك، فالفكرة القوية الكامنة في هذا التطبيق وقدرته السوسيولوجية لا بد أن تعيدا كثيرا من المجتمعات إلى أن عقلنة قضية التعامل مع "تويتر" وحساباته، التي قد يكون من شأنها تبرير القوة في التعامل مع منعطفات هذا التطبيق، وهنا يكمن الخطأ في الاعتقاد أن ظواهر التواصل الاجتماعي أمراض اجتماعية تستوجب التعامل العلاجي معها وليس التفعال السوسيولوجي.