كم من أناس تنافروا وتخاصموا قبل أن يلتقوا، وإنما هي الأخبار الواصلة من هؤلاء إلى هؤلاء، وأخذها مأخذ «الحقيقة» التي لا مراء فيها دون النظر إلى الناقل، هل هو كاذب، أو ناقص فهم وحفظ، أو ناقل للخبر على غير وجه..

عنوان المقال حكمة أطلقها نبينا صلى الله عليه وآله، تحمل قاعدة عقلية لا يختلف عليها اثنان، فمهما كان الخبر دقيقًا في الوصف مصدقًا في القول فلا يزال مؤطرًا بكثير من التساؤلات، محاطاً بكثير من الاحتمالات، ولا يرتقي عن درجة الخبرية، وتبقى النفس متشوفة إلى الحقيقة والمعاينة.

وحتى بعد أن تطور الخبر وصُوّر وسجل بالوسائل الحديثة فما زال في مسمى الخبر، ولا تزال تلك التساؤلات قائمة! ولا تزال احتمالية "التصديق والتكذيب" حائمة! وهو ما يؤكده متخصصو أجهزة النقل الحديثة، فاحتمال التعديل والإدخال وما يسمى بـ"الفوتوشوب" وأجهزة تعديل الصوت والصورة الحديثة مازال قائمًا، ولن يستطيع الخبر مع كل ذلك أن يكون كالحقيقة والمعاينة، ومن هنا كانت الجملة النبوية المبتداة بالنفي تحمل حكمًا شرعيًا إضافة إلى كونها حكمة عقلية.

وقد أنشئت المجمعات ومراكز الأبحاث لدراسة هذه الوسائل الحديثة ومدى الاعتبار بدلالتها في القضايا والوقائع وإثبات الحقوق ونفيها، ولا شك أن كل ذلك لا يغيب عن الفقه الإسلامي، وسنجد أن هذا الفقه يستطيع التمدد والتوسع لاستيعاب هذه المتجددات وإرجاعها إلى الظن الراجح أو المرجوح، وبناء الأحكام على هذا التحصيل.

والقصد هنا هو تنزيل هذا النفي على كثير من الإشكاليات التي واجهها بعض "الدعاة" مع كثير ممن يأخذون كثيرًا من المسائل العلمية والفقهية مأخذ "المعاين" ويتعاملون مع الأخبار تعامل من سمع ورأى، دون الأخذ بالاعتبار ما سطره علماء الأخبار من تصنيفها وإعطاء فقهياتها المرتبة التي تبوأتها تلك الأخبار.

ومن نظر في علم الحديث ولو بنصف طرف ظهرت له جلياً أهمية معرفة درجات الخبر وما قيل فيه، ومهما كانت صحة الخبر ودرجته فهو أيضًا داخل في كونه "ليس كالمعاينة" فهي قاعدة عقلية مطردة، جاء القرآن بمثال لها حكاية عن إبراهيم عليه السلام في قوله (ربّ أرني كيف تحيي الموتى) وهذا فوق ما سمعه إبراهيم من الخبر، لكنه يسأل عن حقيقة الخبر، ليس تكذيبًا ولا تشكيكًا، ولكنْ ترقياً من مرتبة السماع إلى مرتبة المشاهدة (قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) هذا والحوار بين إبراهيم عليه السلام، وربه جل في علاه، حيث انعدمت واستحالت كل الاحتمالات الداخلة على الخبر، وإنما طلبًا لليقين فيه!

وفي ما نحن بصدد تقريره فكم من أناس تنافروا وتخاصموا قبل أن يلتقوا، وإنما هي الأخبار الواصلة من هؤلاء إلى هؤلاء وأخذها مأخذ "الحقيقة" التي لا مراء فيها دون النظر إلى الناقل، هل هو كاذب، أو ناقص فهم وحفظ، أو ناقل للخبر على غير وجه وهو "النمام"، ولعلي لا أبعد النجعة إن اتهمت أغلب إن لم يكن جل وسائل الإعلام، وخاصة ما يسمى بالسوشيال ميديا اليوم يحمل صفة النميمة، أو المجهول في علم الحديث، ولعل أكثرهم ينبغي أن يكون في مرتبة الوضاعين، والمتروكين!

وقد أكد التنزيل على تمحيص الخبر والمخبر بقوله (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) فلعل النبأ دخله من التغييرات والتحريفات من ناقله ما لم يرد على لسان قائله!

ومن ذلك أيضًا كثير من المسائل الفقهية التي بنيت على أحاديث ضعيفة أو أخبار لها أوجه كثيرة في الدلالة، أو كانت صحيحة عند قوم وضعيفة عند غيرهم من العلماء والمحققين، فمهما كانت درجة علمك في مرتبة الخبر فإن ما قيل فيه ممن هو أعلم منك يغير من تعاملك مع من تغاير علمه ومعرفته بالخبر نفسه، ففي آخر الأمر كلاكما لم يسمعه من مصدره، ويبقى الحكم معلقًا بدرجة ومرتبة ناقل الخبر عند العلماء.

ومن أجل ذلك كان الأسلاف من العلماء والفقهاء تتسع صدور بعضهم لبعض ويقدمون اليقين على الخلاف، فاليقين هو (إنما المؤمنون إخوة) والخلاف في الفقهيات الموروثة غايته عند كل المختلفين الوصول إلى الحكم الشرعي والاجتهاد في معرفة الحق، وكل أحد يظن أنه قد يخفى عليه ما يظهر لغيره. هذا، والله من وراء القصد.